فهرس الكتاب
وبحكم العقل القاصر تُركَ العمل بكثير من الأحكام الشرعية جريا وراء غيرها، لأنها أقوى ـ في نظرهم ـ في تحصيل الغرض المقصود من التكليف. وبحكم العقل القاصر زيدت عبادات وكيفيات ما كان يعرفها أشد الناس حرصا على التقرب من الله. هذا، وكما يترتب الابتداع على عدم إدراك العقل، أو على ظن أن الأسرار مسوغات للتشريع وداعية إليه- يترتب أيضا على إرادة دفع منكر أو مخالفة لشرع ثابت فتحدث بدعة يشتغل الناس بها عن مقارفة المنكر، بزعم أن البدعة- بمشروعية أصلها- أولى من ارتكاب المنكر الصريح. ومن ذلك قراءة القرآن بصوت مرتفع في المسجد، وقراءة الأدعية كذلك أمام الجنائز دفعا ـ كما يقولون ـ لتحدث الناس بكلام الدنيا في المسجد والجنائز. ومن هذا الباب أيضا الابتداع بقصد الحصول على زيادة في المثوبة عند الله.. وبظن أن الطريق هذا الثواب المنشود تحميل النفس مشقة من جنس ما يتعبد الله به عباده. وهذا الضرب من الابتداع يأتى على نوعين: النوع الأول: إلحاق غير مشروع بالمشروع، لأنه يزيد في المقصود من التشريع. ومن أمثلة ذلك: التعبد بترك السحور، لأنه يضاعف قهر النفس المقصود من مشروعية الصيام. (ب) التعبد بتحريم الزينة المباحة التى لم يحرمها الله، لأنه يزيد في الحكمة المقصودة من تحريم الذهب والحرير. ومن هذا النوع أيضا: ا- اختيار أشد الأمرين على النفس عند تعارض الروايات، مع أن المأثور عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. 2- حمل أفعال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التعبد الذى يجب فيه التأسى، مع أن كثيرا منها عادى، لا تعبد فيه، ولا يطلب فيه التأسى. والنوع الثانى: اختيار عبادات شاقة لم يأمر بها الشارع، كدوام الصيام والقيام والتبتل وترك التزوج... والتزام السنن والآداب، كالتزام الواجبات. وقد جاء تحذيرا عن ذلك كله قوله عليه السلام:"ما بال أقوام يتنزهون عن الشىء ص _112"