فهرس الكتاب
أو كما يعبِّر عن طاقة الملاءمة التى يحملها المسلم ليوفق دوما بين الحياة التى يعيشها الآن وبعد الآن، وبين الإسلام الذى يؤمن به ـ يُعبِّر من جانب آخر عما يصاحبه من روح المسر وروح الحرية في التفكير، وإن كانت حرية محدودة. فمبدأ الاجتهاد، الذى قام عليه الفكر الإسلامى الأصيل، مبدأ بناء، ومبدأ حركة، ومبدأ حرية، وبالتالى مبدأ تيسير. وفى الوقت نفسه مبدأ صفاء وتسامح. لأن الخصومة النفسية التى تتبع الخصومة الفكرية الحادة لا مكان لها بين أرباب الاجتهاد الإسلامى، وإنما تقع عندما يفرض على البعض الإلزام والاتباع، أو يحكم على بعض المذاهب بالتخلف وعدم المساواة. وهكذا عندما ابتدأ الفكر الإسلامى الأصيل على أساس من الاجتهاد الخالص الحر، نجد طابع هذا الفكر الصدق والانطلاق إلى الأمام. ولا نكاد نلمس فيه تنابزا ولا خصومة خارجة عن روح النظر السليم بين المختلفين في موضوعاته وقضاياه. ونجد المسلمين يومئذ أصحاب رأى، وأصحاب حجة، وأصحاب علم، فيما باشروه من ضروب التفكير المختلفة. يقول ابن خلدون:"ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التى ما فوقها غاية. وهذبت الاصطلاحات، ورتبت الفنون، فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنمق. وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه، وأوضاع يستفاد منها التعليم". * تطور الفكر الإسلامى: ولكن تطور الفكر الإسلامى الأصيل لم يستمر في اتجاهه الذى سلكه أولا، ولم يستصحب معه مبدأ"الحركة"فى سيره، وهو مبدأ الاجتهاد. بل مال إلى اتجاه آخر، وهو الفكر الأجنبى الذى اقتحم الجماعة الإسلامية على عهد المأمون، وفرض نفسه على الحياة الفكرية الإسلامية يومئذ وبعدئذ. ص _123