فهرس الكتاب
الحديث الثالث: في قضاء رمضان
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) [متفق عليه[1] ].
الحديث دليل على أن من أفطر في رمضان لعذر أن عليه القضاء، وأنه لا يجب القضاء على الفور، بل وجوبه على التراخي، فيجوز لمن عليه أيام من رمضان أن يؤخر القضاء إلى شعبان؛ لفعل عائشة - رضي الله عنها -، ولو كان التأخير غير جائز لما فعلته - رضي الله عنها - وواظبت عليه؛ لأن الظاهر اطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
والمبادرة بالقضاء أولى من التأخير؛ لأن ظاهر صنيع عائشة - رضي الله عنها - إيثار المبادرة، حيث اعتذرت عن تأخير القضاء بكونها لا تستطيع، ولو استطاعت لما أخرته إلى شعبان.
والمبادرة بالقضاء فيها مسارعة لإبراء الذمة، والاحتياط في الدين، وقد ينسى الإنسان لاسيما إذا كانت الأيام قليلة، والمبادرة بالقضاء داخلة في عموم الأدلة الدالة على المسارعة إلى عمل الخير.
قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [2] . وقال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [3] .
ولا يجب التتابع في القضاء بل يجوز القضاء متتابعًا ومفرقًا، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [4] . قال ابن عباس - رضي الله عنهما: (لا بأس أن يفرّق) [5] .
والتتابع في القضاء أفضل للمكلف مسارعة إلى إسقاط الفرض، وخروجًا من خلاف من أوجب التتابع، ولأنه أنشط للصائم إذا قضى ما عليه متتابعًا، بخلاف ما إذا فرق، ولاسيما إذا كانت الأيام كثيرة.
والسنة كلها ظرف للقضاء، لعموم الآية، إلا أيام العيدين وأيام التشريق، فلا يصح القضاء فيها، للنهي عن صومها.
ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - جعلت شعبان هو الغاية، فإن أخره بعذر بأن اتصل عجزه من مرض، أو سفر
(1) أخرجه البخاري (1950) ، ومسلم (1146) .
(2) سورة آل عمران، الآية: (133) .
(3) سورة المؤمنون، الآية: (61) .
(4) سورة البقرة، الآية: (184) .
(5) علقه البخاري (4/ 188) ، ووصله عبد الرازق (4/ 243) ، وابن أبي شيبة (3/ 33 - 34) ، والدار قطني (2/ 192) ، وسنده صحيح، وفي المسألة آثار عن الصحابة تفيد ذلك.