و الناسُ يُعامِلون فِعْلَ الْقَريبِ بالجزمِ، ويَرفعون أمرَ البعيدِ كما قال ابنُ حزم:
لاَ تَرَى عَالِمًا يَحُلُّ بِقَوْمٍ فَيُحِلُّوهُ غَيْرَ دَارِ الْهَوَانِ
هَذِهِ مَكَّةُ الْمَنِيعَةَُ بَيْتُ الْـ ــلَهِ يَسْعَى لِحَجِّهَا الثَّقَلانِ
وَترَى أَزْهَدَ الْبَرِيَّةِ فِي الْحجْجِ بِهَا أَهْلَهَا لِقُرْبِ مَكَانِ
وقال ابن الجوزي:
عَذِيرِيَ مِنْ فِتيَةٍ بِالْعِرَاقِ
قُلُوبُهُمُ بِالْجفَا قُلَّبُ
يَرَوْنَ الَعَجِيبَ كَلاَمَ الَغَرِيبِ
وَقَوْلُ الْقَرِيبِ فَلاَ يُعْجِبُ
وَعُذْرُهُمْ عِنْدَ تَوْبِيخِهِمْ:
... ... مُغَنِّيَةُ الْحَيِّ لاَ تُطْرِبُ
وهذه سجية لنفوسِ الأوائلِ من لزومِ العَرضِ للجوهرِ أَلْزَم،"شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمْ" [1] [44] .
[ص61]
واعلمْ أيها الناظرُ، أن كتابي هذا ألَّفتُه، كما يقولُ الناسُ،"شَحمةً بِفَحْمة، وثَمَرةً بِجمرة". ولعلَّ ما تستخشِنُه، غيرُك يستحسنُه، وما تَستقبحُه، غيرك يستملِحُه، فلا تغيِّر منه ما سَامَكَ بِالارْتياب، وإِلاَّ فأنتَ أجرأُ من مُجَلَّحَةِ الذئَاب [2] [45] ، وأنا قد جعلتُه مباحًا لمن طلبَه من الطَّلبة، ومتاحًا لمن أرادَه من الرَّادة، واللهُ يُحسنُ النِّية، ويخلِّص من كادوراتِ الرياء خالصَ الطَّوية، ويعصمُنا من الخطَل في القولْ، فبيدِه القوةُ والحَوْلْ.
(1) 44] - شطر رجز لأبي أخزم الطائي وهو:
إِنَّ بَنيَّ زَمَّلُوني بِالدَّمِ
شنشِنة أَعرفُها مِن أَخْزَمِ
مَنْ يَلْقَ آسَدَ الرجالِ يَكلَمِ
والشنشنة: الطبيعة والسجية، ويضرب هذا المثل لمن أتى شيئا يُتوقع من مثله
... ... ... ... ... (انظر لسان العرب:شنن، ومجمع الأمثال 1/361) .
(2) 45] - من بيت لامرئ القيس في ديوانه (ط دار المعارف ص 97) :
عَصَافِيرٌ وَذِبانٌ وَدُودٌ ... وَ أَجْرَأُ مِن مُجَلَّحَةِ الذِّئَابِ
أي" المصممة على الشيء، التي لا ترجع عما تريد" (نفسه ) "