الصفحة 1 من 17

بسم الله الرحمن الرحيم

نشرة حول بيان"العلماء"بالأزهر في 1/ 1/1989

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .

أما بعد؛

أيها الأخوة المسلمون:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

فإن من عجائب مصر التي لا تنتهي ومصائبها التي تترك الحليم حيران؛ هذا الحلف الآثم الذي قام بين علماء السوء والسلطان في محاولة منهم لإنقاذ ما تبقى من النظام وستر عورته، فكان هذا البيان الذي صدر في 1/ 1/89 من مجموعة من علماء الأزهر في وسط النكد الذي يعيشه الشعب المصري من كل جانب؛ عقوبة لنبذه لأحكام الله وعدم أخذه على يد الطغاة.

حتى لقد كتب الصحافي حلمي سلام في مجلة"آخر ساعة"بتاريخ 24/ 12/1988 تحت عنوان"يا صبرك يا رئيس الوزراء"، قال: (كتب الصحافي إسماعيل النقيب في يومياته بالأخبار في 3/ 10/1988 تحت عنوان"بيان هام إلى الرأي العام"جاء فيه: لنعترف جميعا أننا جميعا أصبحنا من الخائفين، ثم ذكر جرائم الاغتصاب وخطف الصغيرات والمخدرات، إلى أن قال: حملت مخاوفي هذه وألقيتها على مسامع الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء، قلت له: لماذا لا تكون المحاكمات سريعة ويتم تنفيذ الأحكام بالإعدام علنا في تجار المخدرات ومغتصبي الإناث وخاطفي الصغيرات؟ قال الدكتور صدقي: سيادة القانون! قلت في غضب مشتعل: أي قانون هذا الذي لا يحمي المجتمع؟! قال الدكتور صدقي: تستطيع أن تكتب مرة ومرة حتى تصبح القضية"قضية رأي عام"وعندئذ نستجيب إلى ما تريد!) .

قال حلمي سلام: (ومن هنا نتبين رأى السيد رئيس الوزراء في هذه"القضية الغول") .

ثم سرد الصحافي حلمي سلام العديد من قصص جرائم الاغتصاب لصغيرات وكبيرات متزوجات وغير متزوجات وطالب المسئولين بتنفيذ ما أجمع عليه الجميع من وجوب تنفيذ أحكام الإعدام علنا في المجرمين.

هذا الكلام - أيها الأخوة الأحبة - يبين لنا مدى الفزع والهلع الذي تحياه كل أسرة في مصر اليوم، والذي جعل شعب مصر يطالب بالأحكام الرادعة التي شرعها الله سبحانه لصيانة خَلْقِه، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، وصدق الله تعالى القائل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .

الآن عندما عبثت يد الإجرام بالأعراض وأصبح كل إنسان مهددًا في نفسه، تبين للناس أن شريعة الله وأحكامه هي الحق.

ثم ننتقل من كارثة الخوف والفزع إلى كارثة الجوع والعري والتشرد ومشكلة الإسكان ومشكلة البطالة وأمراضها ومشكلة المواصلات والمخدرات التي تفتك بالصحة والأموال إلى آخر ما يتعلق بالكارثة المالية بمصر، وبالنظر إلى الأرقام والإحصائيات نجد أن الأسعار ارتفعت بمعدل 800 % من عام 80 إلى عام 88، وبلغت ديون الحكومة خمسين ألف مليون دولار، وانخفضت قيمة الجنيه المصري ليصل سعر الدولار إلى 3 جنيهات، ووصل استيراد الغذاء إلى 80 % من المستهلك أي أن كل عشرة أرغفة خبز منها ثمانية مستوردة من الخارج، ومخزون الدولة من الغذاء لا يكفي ثلاثة أشهر فهي تحت رحمة أمريكا وقمحها باستمرار.

وأبشع من هذا ما صرح به أحمد أبو الفتح من أن بنك"مورجان جرانتي ترست"الأمريكي وبنك التصدير الدولي الأمريكي قاما بإجراء دراسة حول القروض الدولية المعطاة لمصر تبين منها: أن 35 % إلى 45 % من أموال هذه القروض يتم تهريبها إلى الخارج! وبالإضافه إلى ما سبق فإن مصر تنتظر المزيد من الكوارث الاقتصادية إذ وافقت حكومتها على شرط صندوق النقد الدولي لاستمرار القروض لمصر وذلك في زيارة الرئيس الأخيرة لأمريكا وقد مَهَّد لهذا الوزير عاطف عبيد.

أما شروط الصندوق؛ فمنها تجميد المرتبات لمدة خمس سنوات، وإلغاء المنح والمزايا الإضافية للعاملين بالحكومة والقطاع العام، وإلغاء الدعم على السلع والخدمات، وتخفيض العمالة بنسبة 10 % سنويا بالحكومة و 5 % بالقطاع العام، والتراجع عن سياسة مجانية التعليم، ورفع أسعار الطاقة كالكهرباء ومواد الوقود، ووقف إقامة مشروعات جديدة واستكمال المتوقف.

هذه بعض شروط صندوق النقد الدولي وقد وافقت عليها الحكومة المصرية لتُلْقِى مزيدا من المشقَّة على الشعب المصري المطحون.

والذي يفسر لنا كل هذه الكوارث النازلة بمصر؛ هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) [1] .

فهذا الخوف وهذا الجوع الَّذين حَلاَّ بمصر هما عقوبة من الله تعالى أنزلها بالناس لَمَّا لم يأخذوا على أيدي الحكام الكافرين المرتدين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} - وقد فصلنا القول في هذا في نشرات سابقة لنا، وأن هؤلاء الحكام المرتدين جهادهم واجب على كل مسلم -

فلما قعد المسلمون بمصر عن هذا الجهاد الواجب ابتلاهم الله بهذه الكوارث، مصدقا لقوله الفصل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

فما يصيب الناس من الكوارث بمصر هو بسبب قعودهم عن الجهاد الواجب عليهم جميعا، وهو شيء من العذاب في قوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

فإذا أصابك الرعب من أن تترك ابنتك أو أختك أو زوجتك تسير في الشارع معرضة للاغتصاب، فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

وإذا وقفت الساعات الطوال في طابور شراء الخبز أو انحشرت في وسائل المواصلات فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

وإذا أصابك الجوع أنت وأولادك أو رأيت اللحم ولم تستطع شراءه، فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

وإذا أصابتك البطالة أو أصابت أولادك فجلسوا في البيت سنوات قبل أن يجدوا عملا بعد سنوات التعليم الطوال فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

إذا ضاعت حقوقك وتلطَّمت في ساحات المحاكم السنوات الطوال دون جدوى، أو رأيت أنك لا تقضي أي معامله في مصر إلا بالرشوة فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

وإذا رأيت وعلمت أن قوات الإرهاب الحكومي غَزَت ودَمَّرت قرية الكوم الأحمر بالجيزة واستباحتها ونهبتها، فتذكر قول الله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، وتذكر قول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} .

فلا يَحسبَنَّ المسلم أنه بقعوده عن الجهاد الواجب عليه قد نجا من بطش الحكام الكافرين وجنودهم وإفسادهم، فإن الله سبحانه قد توعد القاعدين عن الجهاد بالعذاب الأليم وإن الله يولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون.

وسط هذه المحن - أيها الأخوة الأحبة:

لما أدركت طائفة من المسلمين بمصر هذا الواجب الشرعي وشرعت في الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جمع الكفر جنده وأعوانه في صعيد واحد لإجهاض هذا الجهاد المبارك، كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} .

ويقوم أئمة الكفر في مصر بالعمل على عدة محاور لإجهاد حركة الجهاد.

هذه المحاور لخصها اللواء ممدوح برعي مدير أمن القاهرة في حوار مع مجلة"المجلة" [2] فقال: (المسئولية هنا مشتركة بين أجهزة الدولة, وليست محصورة في وزارة الداخلية فقط، فهناك دور لوزارة التربية والتعليم ودور آخر لوزارة الإعلام, وللأزهر الشريف وعلمائه فضلا عن وزارة الأوقاف والدعاة, ثم أخيرا يأتي دور الداخلية التي تتصدى لأي خروج على الشرعية، على أن دور باقي الجهات يأتي في البداية للوقاية من أي موجة تطرف سواء تأتى من الخارج أو الداخل، وقد أصدر الأزهر الشريف بيانه حول هذه العناصر، كما أعلن كبار علماء مصر رأيهم في العنف وتكفير المجتمع) .

وهذه الخطة الشيطانية لاستنفار كافة أجهزة الدولة لقمع الجهاد تشبه خطة فرعون المذكورة في قوله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} .

وبالإضافة لكلام ممدوح برعي تقرأ في جريدة"الإتحاد"الظبيانية [3] : (تعبئة فقهية في مصر ضد التطرف الديني: ذكر المراقبون أن الحكومة المصرية تسعى إلى تعبئة كل السلطات الفقهية بهدف إفقاد الحركات الإسلامية المتطرفة اعتبارها في نظر الرأي العام وهي تعمل على إشراك الإخوان المسلمين المناهضين للتطرف في هذه الحملة) انتهى.

وبناء على هذا شرع وزير الأوقاف في تشكيل لجنة من الكهنة والسفهاء لإصدار بيان لإدانة التطرف.

من إصدارات"جماعة الجهاد"بمصر

أعدت بأشراف الشيخ أيمن الظواهري

الطبعة الثانية في جماد الثاني/1412 هـ

[1] رواه أبو داود والترمذي عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وإسناده صحيح.

[2] العدد: 467.

[3] عدد: 18/ 1/1989.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت