فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 18

فعلق سبحانه إصلاح الأعمال، وغفران الذنوب، بكل من التقوى والقول السديد، ثم عقب ذلك بتعليق الفوز بطاعة من التقوى والقول السديد، ثم عقب ذلك بتعليق الفوز بطاعة الله ورسوله في ذلك، مما يشعر بمفهومه: أن مخالفة العمل للتقوى، والقول للسداد، يعد خروجًا عن طاعة الله ورسوله، وطريقًا إلى الخسران الكبير، لا يستحق صاحبه إصلاح الأعمال في الدنيا، ولا غفران الذنوب في الآخرة.

كما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه الكرام على تعليمهم المنهج الصحيح، والأسلوب الحكيم، حرصه على تعليمهم الحق نفسه، فلم يهمل جانبًا على حساب جانب، قال تعالى:

(( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ) [آل عمران:164] .

فكان، إذا رأى خطأ في المنهج والأسلوب نبههم عليه، وأرشدهم إلى الصواب والحكمة فيه، ويظهر هذا جليًا واضحًا في سيرته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.

لذا كان على الداعية أن يحقق الأسوة في الاقتداء بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرص عليه، حرصه على تعلم أحكام دينه وتشريعاته، ويتمسك بسنته وطريقته في دعوته، تمسكه بسنته وطريقته في عباداته ومعاملاته، لأن الخطأ في المنهج والأسلوب، قد يزيد أثرًا وخطرًا على الخطأ في الحكم.

ومن هنا: جاء التأكيد على التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين، والعض عليها بالنواجذ، وإن السنة هي الطريقة التي كانوا عليها وليست مقصورة على الأحكام المجردة الواردة عنهم -كما لا يخفى-.

ومعلوم أن الطبيب لو أخطأ في بيان أسلوب استعمال الدواء لمريضه، أو خالف المريض تعليمات طبيبه في أسلوب تناول الدواء، أمكن أن يقضي عليه دواؤه، فيصبح داءً، أو يسبب له على الأقل من المصائب والآلام، ما كان حريصًا على التخلص مما هو أخف منه قبل تناول الدواء.

ولا يماري أحد في أن أهمية طريقة استخدام الدواء، لا تقل أهمية معرفة الدواء نفسه، إن لم تكن تزيد عليه، لذا حرص صانعو الأدوية على إرفاق نشرة موضحة لطرق استخدام الدواء، ووضعها في كل علبة من علب الدواء، ليكون كل من الطبيب والمريض معًا على بصيرةٍ في ذلك، ولم يكتفوا ببيان الطبيب لمريضه.

ومع هذا، فإن المناهج والأساليب الدعوية، أكثر من أن تحصى، وأدق من أن تتضح لكل داعية بمجرد الاطلاع والنظر، فهي كثيرة ودقيقة، تتنوع بحسب المواقف الدعوية، وتختلف بحسب أحوال المدعوين.

فما قد يصلح في موقف معين، قد لا يصلح في موقف آخر، وما يناسب حالة معينة، قد لا يناسب حالة أخرى، وما أكثر المواقف والحالات التي تواجه الدعاة والمصلحين على مستوى الأفراد والمجتمعات.

ولكن إذا ما بحث الداعية عن تلك المناهج والأساليب في النصوص الشرعية، وقف على أطرٍ عامة لها، ووجد معالم كبرى على طريقها، يمكنه من خلالها بحسب إمكاناته العلمية واهتماماته أن يستنتج معالم أخرى، ومناهج وأساليب عديدة.

كما يمكن أن يقف على كثير منها خلال تدبره وتفكره في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة خلفائه الراشدين، الهادين المهتدين.

ويمكنه أن يوسع فيها، ويطور منها، من خلال عنايته بدراسة وقائع العلماء، وتجارب الدعاة على مدى العصور والأزمان من جهة، ومن خلال التفكر والتدبر في أساليبه الشخصية، وأخطائه العلمية أثناء ممارساته الدعوية من جهة أخرى.

فالعملية الدعوية ليست نصوصًا شرعية جامدة، أو معالم توقيفية محدودة، وإنما هي عملية نامية متطورة في ضوء النصوص الشرعية، والتجارب البشرية.

وكلما ازداد الداعية علمًا وبحثًا، وخبرة عملية، زاد علمه وعطاؤه في هذا المجال، وكان أكثر توفيقًا في معالجة المدعوين، مثله في ذلك مثل الطبيب القديم المتمرس، والمتابع لفنه على مستوى العلم، والندوات والمؤتمرات الطبية المستمرة، فإنه لا يمكن أن يسوي بينه وبين الطبيب الذي تخرج حديثًا، أو طبيب اكتفى بما درس في جامعته، وانقطع بعد ذلك عن البحوث العلمية، والمتابعات الطبية.

ومن هنا كانت مصادر الداعية الأساسية خمسة، هي:

1 -القرآن.

2 -السنة النبوية الشريفة.

3 -السيرة النبوية المطهرة.

4 -سيرة الخلفاء الراشدين.

5 -وقائع العلماء وتجارب الدعاة في ضوء تلك المصادر.

ونظرًا لأهمية المنهج الدعوي وأسلوبه، ودقته وصعوبته من جهة، ولوقوع كثير من الدعاة في خطأ المنهج والأسلوب من جهة أخرى، اجتهدت في هذا البحث في وضع معالم واضحة، وضوابط محددة، تشكل في مجملها إطارًا عامًا لمنهج وأسلوب قول كلمة الحق، وجهاد الكلمة، يمكن للداعية الحريص أن يفيد منها، ويقيس عليها عند تعدد المواقف، وتنوع الأحوال.

من معالم وضوابط قول كلمة الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت