الصفحة 3 من 26

بالمناشير فما كان ذلك ليبعدهم عن دينهم شيئا، لموتة في طاعة الله خير من معصية الله) (رواه إبن أبي الدنيا) .

كذلك فإن توافق حاجة كثير من الشعراء لمال أو لجاه، مع رغبة الولاة في تجميل صورهم وإشباع رغباتهم الأنانية، كان قد ساعد على تدبيج قصائد في المديح لم يكن مجتمع الصحابة ليسمح بإنشادها ولم تكن نفوسهم لتستسيغها، كل ذلك ربما هيأ ظروفًا مناسبة لنشوء ونمو وانتشار ما يمكن تسميته بفقه ذلّ وثقافة خنوع، تمثلت بذرته الأولى بالإكراه على الصمت عن خطأ الحاكم ثم تمخض عنه فيما بعد سياسة قهرية فوقية أسرع ما غدت منهجًا سلوكيًا عامًا للحكام، عنوانها البارز: (مَا أُرِيكُم إلاّ مَا أَرَى) ، وتفرعت عن ذلك العنوان مضامين أوحت للناس ضرورة الإلتزام بها وإلا واجهوا البلاء، وقد تُرجمت تلك المضامين في حياة الناس كما يلي:

-مزاج الحاكم لا الشريعة.

-سلامة الحاكم لا البلاد.

-أمن الحاكم لا الوطن.

-رفاهية الحاكم وراحته لا الشعب.

-تعظيم الحاكم وتوقيره والدعوة إلى طاعته ومحبته، لا تعظيم الله وتوقيره والدعوة إلى دينه وطاعة رسوله ومحبته.

حتى انتهت بنا اليوم إلى فقدان الحرية والكرامة وطنًا ورعايا، ونعيش اليوم مع مضامين تلك السياسة وكأنها مُسلَّمات، من عارضها أو انتقدها اعتبر متعديًا على ثوابت، وبهكذا نهجٍ، استطاع أن يَحكم المسلمين ملوك وسلاطين ورؤساء وأمراء تميزوا عن بقية أفراد الأمة بما تميزت به ملوك كسرى وقيصر عن شعوبهم، ونال وينال دعاة الحق في عهودهم ويلات الظلم والعذاب، وعلى امتداد التاريخ، تعرّض فقهاء المسلمين ولا يزالون إلى ضغوط كبيرة بهدف ثنيهم عن الصّدع بالحق، ثبت منهم من ثبت، ومال منهم من مال، وسقط من سقط.

لكن فقهًا تبريريًا على شكل تحميل آيات قرآنية غير مضمونها وعزل أخرى عن سياقها، وتجاوز أخرى لأغراض دنيوية أو تجنبًا لأذى، كان قد ظهر وانتشر، من أهم أهدافه: منع تصادم الأمة مع حكامها الظلمة، وتسهيل سيطرتهم على الناس.

فسقطت بالتالي دولة الإسلام وتجزأت أرضها وحكمها النصارى واليهود، وأصبح المسلم اليوم أهون الخلق على الناس، فشهد الأولون حياة: العدل أساس الحكم، وشهدنا نحن حياة الظلم وخراب الديار، وربما ما كان ذلك لِيَحدُث لولا ما أشيع في وعي الأمة وكُرِّس من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت