فهرس الكتاب
قال ابن القلانسى:"إن الصليبيين كاتبوا صاحب دمشق بأننا لا نأخذ ولا نقصد غير البلاد التى كانت بيد الروم ولا نطلب سواها ـ مكرا منهم وخديعة ـ حتى لا يساعد صاحب إنطاكية". وصمدت"إنطاكية"وحدها، لكن من الذى صمد وبذل دمه في سماحة للدفاع عن البلد المهدد؟ طلاب الآخرة وحدهم! أما ملك إنطاكية نفسه فقد كان فاسقا ظالما شديد الوطأة على الرعية، كما يقول مؤرخونا.. بل ذكروا أن أهل مدينة"ارتاح"وكانت تحت سيطرته استجاروا منه بالإفرنج، وطلبوا منهم مددا لمقاومته! وهذا لقبح سيرته وظلمه في بلاده. على أن مسلمى إنطاكية نسوا كل شىء، وقاوموا الغزاة إلى آخر رمق، بيد أن الخيانة والفرقة عجلتا بمصير المدينة الباسلة فسقطت بأيدى الصليبيين. قال ابن القلانسى:"فقتل وأسر وسبى من الرجال والنسوان والأطفال ما لا يدركه حصر"وقال المؤرخ الأوربى"رانسيمان":"إن الصليبيين ذبحوا في إنطاكية ما لا يقل عن عشرة آلاف من الأهلين، واضطر الجند إلى المسارعة في دفن الجثث قبل أن ينتشر الوباء في المدينة". ومضى الصليبيون في طريقهم إلى بيت المقدس، لم يكن أمامهم كيان إسلامى متماسك، ولا حكم موحد معروف. يقول الأستاذ أحمد الشقيرى:"كانت ديار الشام مهيأة للهزيمة، إذ كانت جملة ممالك وإمارات لا رباط بينها. إمارة إنطاكية يحكمها الأميران"سيان"ومملكة حلب على رأسها الملك"رضوان"ومملك دمشق وعلى رأسها الملك"دقاق"وإمارة حمص يحكمها الأمير"كربوغا"وإمارة حماة يحكمها الأمير"سليمان"ثم هناك الدولة الفاطمية في القاهرة.. والدولة العباسية في بغداد... وكانت الجماهير الغاضبة تذهب جموعا جموعا إلى عاصمتى الخلافتين المتنازعتين على الرئاسة دون جدوى. ما فكرت إحداهما في عمل شىء يعين المدافعين أو يعرقل المهاجمين.. كان الحرص على البقاء في السلطة هو المهيمن على فكر الحكام، وإذا كان هناك من اتصال ص _043"