الصفحة 100 من 183

إنما يعنى به: تغير الفتوى في فروع الفقه، مما وقع فيه التسهيل والتيسير في الشريعة نفسها، فما جعل عليكم في الدين من حرج، وذلك ما وقع من النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض الصور. من ذلك: ما روى الإمام أحمد وأبو داود، والدارقطنى، عن عمرو بن العاص، أنه احتلم في ليلة باردة شديدة البرد في غزوة ذات السلاسل، قال فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، وصليت بأصحابى صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر له أصحابى ما صنعت، فقال لى: يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فتيممت وصليت. فضحك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقل شيئا، مما يدل على إقراره لهذه السنة بمقتضى سكوته عنها، وهى حقيقة في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، إن الأصل: وجوب الغسل لواجد الماء. ومثله ما روى النسائى، وابن ماجة، أن سعد بن عبادة ذكر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رويجلا ضعيفا في أبياتهم زنا بامرأة، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"اضربوه حده. فقال سعد: إنه أضعف من ذلك. فقال: خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة"، ففعلوا. فقد عرف كيف تغيرت فتوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا من حالة الشدة إلى حالة التيسير، إذ الأصل في جلد الحد، تفريق الضربات حتى تأخذ كل ضربة مكانها من جسده. ونظرا لضعف حاله، جعلها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جلدة واحدة بعثكول فيه مائة شمراخ. وله نظائر كثيرة. وقد أفتى الصحابة بجواز فطر الحامل والمرضع متى خافتا على أنفسهما، أو على ولديهما، وليس كل حامل أو مرضع تفتى بهذا. وهذا هو عين الفقه، لو حكم بموجبه قاض لرموه بالتشنيع والزراية ونسبوه إلى عدم الرواية والدراية. والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رجل ثاقب الفكر يبحث عن الحق بإخلاص، ويستعين على معرفته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت