الصفحة 114 من 183

وما دام الأمر كذلك فالترك سنة والفعل بدعة. وكم سن أشياء لم يفعلها السلف الأول حرص المسلمون اليوم على إقامتها وإدامتها وكأنها دين، بل قد تكون عندهم أهم وألزم من الدين الثابت الصحيح!! والأستاذ حسن البنا رأى ـ فرارا من الاصطدام بحراس البدع الإضافية والتركية ـ أن يدخل الموضوع في دائرة الخلاف الفقهى: والخلاف الفقهى يتحمل وجهات النظر المتباينة. ومن ثم لم ير حرجا من ترك مؤذن يضم الصلاة على رسول الله إلى ألفاظ الأذان! ولم ير حرجا من ترك الأسر الكبيرة والصغيرة تتكلف فوق طاقتها لأداء مراسم التعزية المخترعة.. والواقع أن صنيعه رضى الله عنه كان سياسة موقوتة لتجميع الأمة على أمهات الدين وقواعده المهددة، فقبل المكروه اتقاء للحرام، من باب ارتكاب أخف الضررين.. والحق أن البدع صغراها وكبراها لا يمكن إقرارها. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه"، وإن كان العلاج يحتاج إلى بصرة وأناة.. إن شر هذه المحدثات بعيد المدى في المجتمع الإسلامى، وأذكر أن موظفا في فى دائرة عملى كان يغلبه النوم أحيانا كثيرة، وعرفت أنه ينتمى إلى إحدى الطرق الصوفية، فطلبت منه أن يطلعنى على الورد المقرر، فلما استبنته وجدته يفرض ترديد عدد من أسماء الله الحسنى، وبعض الكلمات والآيات بما يبلغ مليون كلمة كل ليلة، فعرفت سر نوم المسكين وأشفقت أن يفقد يوما ما عقله.. وهذا الصنف من الناس يوشك أن يختفى لغلبة الحياة العصرية بصبغتها المعروفة... ولكن الذين يريدون الأوبة إلى الدين يجدون في طريقهم هذه الأوراد فينتقلون من ضلال إلى خبال... وفى ذلك يقول الإمام الشهيد:"وكل بدعة في دين الله لا أصل لها: استحسنها الناس بأهوائهم ـ سواء بالزيادة فيه أو ص _117"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت