الصفحة 37 من 183

والثانى: أن المحدثين ـ إلا قليلا ـ اهتموا بالأسانيد أكثر من المتون، وشغلتهم العنعنة عن الفقه الرحب، فلم يحسنوا تقرير الأحكام والمصالح.. والواقع أن الفقه بلا سنة كالسنة بلا فقه جهد باطل.. وبديه أن يكون للأئمة الكبار أتباع مخلصون، يدورون في فلكهم. وبديه أيضا أن يكون هناك من لا يدور في فلكهم ومن لا يراهم أولى منه بالصواب.. إلا أن الفقه المذهبى مر بأدوار بعدت به آخر الأمر عن منابعه الأولى. فقادة المذاهب كانوا يشرحون الكتاب والسنة، ويعدون شروحهم اجتهادا مقنعا لهم ولمن معهم.. ولكنهم ما رأوا قط أن الصواب حكر عليهم، ولا عادوا غيرهم فيما فهموه هم.. ثم جاء الأتباع أخيرا فأخذوا أقوال أئمتهم على أنها الأصل الذى يشرح، ونظروا إليها كأنها الدين الذى يتبع. ونشأ عن هذه جفوة بين مقلدى المذاهب المختلفة، كما نشأت جفوة بين كتب الحديث وكتب الفقه!! وهذا العوج الثقافى أضر كثيرا بأمتنا.. إننا نعلم أن لكل إمام نزعته العقلية ومنهجه الخاص في الاستدلال، بيد أن أحدا منهم لم ير الآخرين دونه، كما أن شرف أى إمام في ارتباطه بالكتاب والسنة معا. وقد ظهر أقوام من المشتغلين بالحديث يطعنون في الأئمة كلا أو بعضا! وهذا حمق، ولو أنهم عابوا مقلدى المذاهب في جمودهم وضيق باعهم لكان ذلك أرشد. وقد تتبعت نفرا من هؤلاء فوجدتهم بلاء على السنة.. قال أحدهم. إن أبا حنيفة ترك السنة الصريحة وخالف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . قلت: فيم؟ قال: يقتل المؤمن بالكافر! قلت: نعم يقول أبو حنيفة إن المسلم إذا قتل رجلا من أهل الذمة قتل فيه، ودليله على ذلك من القرآن (أن النفس بالنفس) ، فلا فارق بين حر وعبد ولا مؤمن وكافر، وقد جعل الحديث في المحاربين ومن لا عهد لهم. قال: هذا خطأ! قلت: خطأ أو صواب، كيف استسغت أن تتهم إماما بمخاصمة رسول الله وهو يستند إلى أساس دينه، إلى القرآن نفسه؟! ص _0 ص 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت