الصفحة 36 من 183

فكان لزاما على أولى الألباب أن يدرسوا هاتيك الأوضاع ويكشفوا عللها ويجنبوا المستقبل ما وقع في الماضى. وفى تجوالى بأرجاء العالم الإسلامى رأيت اختلاف الفقهاء من ألف عام ويزيد، يقسم المسلمين طوائف متباعدة، ويغرى الرجل أن ينظر إلى أخيه شزرا في قضية علمية خفيفة الوزن! وربما رفض الصلاة خلفه! ثم تنضم إلى الخلاف الفقهى قضايا شخصية ومنفعية تخص هذا أو ذاك، فإذا الإخاء الإسلامى يذوب والخصومات الخبيثة تضرى وينشغل المسلمون بعضهم ببعض. والكاسب الأول من هذا الخلاف المشئوم هو الشيطان وأحزابه، والخسار حظ المسلمين كلهم لا محالة.. الائمة الأربعة رجال لا لنظير لهم: درست سير الأئمة الأربعة فوجدت نفسى أمام رجال ليس لهم في التاريخ الإنسانى نظائر. كبر غريب على الدنيا، ورغبة في الله عميقة، وصلابة تنحسر دونها عوامل الرغبة، والرهبة. كانوا على تجردهم ملوكا، وقد هابهم أصحاب السلطان، وضاقوا بالتفاف الجماهير حولهم، وحاولت السلطات أن تستغل لمصلحتها جاههم الدينى.. وهيهات. ومع تقواهم لله، فإن توقد ذكائهم، وسعة علمهم، واستنارة آفاقهم كان نعتم العون لهم على خدمة الكتاب والستة. إن الشهرة التى رزقها هؤلاء الأئمة لم تأتهم حظوظا عمياء، كلا. إنها أتتهم عن جدارة، وما يقدر منصف على انتقاص المكانة التى هيأها الله لأولئك الفقهاء الأكابر. لماذا انقادت الأمة لهؤلاء الأئمة الأعلام: ويظهر لى أن العالم الإسلامى أعطى مقادته لأئمة الفقه ـ إلى عصرنا ـ ولم يعطها رجال الحديث لسببين: أولهما: أن الفقه المذهبى يعتمد على السنة كما يعتمد على القرآن الكريم مع بصر أحد بالمعانى والغايات. ص _0 ص 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت