فهرس الكتاب
أرأيت هذا السفه؟ وجاء حنفى آخر فزاد الطين بلة وقال: يجوز الزواج بها قياسا على الكتابية! ورأيت حنابلة يأبون إلا ذبح النسك في منى أيام التشريق، ويرفضون مذهب الشافعى في الذبح بمكة قبل ذلك، ويقبلون أن تنتن آلاف الذبائح، ويحتاج تنظيف منى منها إلى المال والرجال.. ذلك لديهم أرجح من إطعام الألوف من فقراء مكة.. أوائل ذى الحجة.. وحنابلة آخرون يرون زكاة الفطر لا تكون إلا شعيرا أو قمحا، ويرفضون باستعلاء مذهب أبى حنيفة في إخراج القيمة مالا للفقراء. وتصور عواصم المسلمين تشحن بأرادب الشعير حتى لا يعمل الناس بمذهب أبى حنيفة.. لم هذا التعصب المذهبى؟! لقيت متعصبين كثيرين، ودرست عن كثب أحوالهم النفسية والفكرية، فوجدت آفتين تفتكان بهم: الأولى: العجز العلمى، أو قلة المعرفة! هؤلاء يحفظون نصا وينسون آخر، أو يفهمون دلالة للكلام هنا ويجهلون أخرى وهم يحسبون ما أدركوه الدين كله. ولو أن هؤلاء اكتفوا بمنزلة المتعلم التابع ما عابهم ذلك كثيرا، فليس كل مسلم مطالبا بمعرفة جميع الأقوال الواردة والدلالات المحتملة. المصيبة أن يشتغلوا مفتين أو موجهين وهم بهذا المستوى الهابط! نقل الشيخ عبد الجيل عيسى عن ابن إسحاق الشاطبى فى"الموافقات"هذه الكلمة الصائبة:"إن تعويد الطالب ألا يطلع إلا على مذهب واحد، ربما يكسبه نفورا أو إنكارا لكل مذهب مادام لم يطلع على أدلته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه". حدث لى مرة أن أفتيت بجواز حج المرأة وحدها في الرفقة المأمونة، فإذا طالب مكفوف يمسك بيدى وهو يرتعش من الغضب يقول: كيف تفتى بهذا الحكم المخالف للسنة؟! قلت: إنما أنقل مذهبى الشافعى ومالك رضى الله عنهما. قال: هما يخالفان السنة! قلت هما لا يخالفان السنة. إن حديث نهى المرأة عن السفر إلا مع محرم لها، فهمه هذان الإمامان على أنه عند اضطراب الأمن