الصفحة 86 من 183

والذين قالوا بالصلاح والأصلح لم يحسنوا اختيار العبارة المهذبة، وهم إنما عنوا وصفه بالحكمة والرحمة كما قال تبارك اسمه عن نفسه: ( كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) . وهذا الجدل بعيد عن دائرة العقيدة عند أولئك المعقبين. ص _090

يقول الشيخ محمد المدنى: إنها نظريات كلامية لا عقائد تعتمد على اليقين الذى يحف أصول الإيمان، فإن المسلمين متفقون على أن الله موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص. ثم تأدى الجدل بعلماء الكلام إلى تساؤل: هل يجب على الله فعل الصلاح والأصلح أم لا يجب؟ فمن الناس من ينظر إلى الصلاح والأصلح على أنها كمال وجمال، ويرى إيجاب ذلك على الله ـ لأنه أوجب على نفسه الرحمة ـ وهو متصف أبدا بكل كمال... ومن الناس من يقول: لا يجب على الله شىء لأن الإيجاب تقييد، والله جل وعلا ليس عليه قيد، ولا يمكن أن نوجب عليه شيئا، ومن ثم يرفضون القول بأنه يجب على الله فعل الصلاح والأصلح. كلا الفريقين عند التأمل يقصد إلى تقرير الكمال الأعلى، وإلى تنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عما لا يليق به... ولكن اختلفوا في إدراك هذا الشىء بالذات. هل هو من قبيل الكمال من جانب الله؟ أو هو يعد نقصا في جانبه؟ فلا يثبته مؤمن إلا وهو معتقد أنه كمال، ولا ينفيه مؤمن إلا وهو معتقد أنه نقصان. نقول هذا اعتذار لبق عن المعارك التى أدارها الكلاميون قديما، وهى معارك كنا والله في غنى عنها، اختلقها الترف العقلى ونماها وشغلت بها الجماهير عن خير الدنيا والآخرة، وبقيت في كتب العقائد ذكريات مؤسفة. وها قد سلخ الإسلام من عمره المديد أربعة عشر قرنا، وعانت أمته أياما عصيبة لانطلاقها بغير قواها وإلى غير وجهتها. ونحن ما نقلق من كثرة المذاهب الفكرية في شئون الأدب والحياة، ولا من كثرة هذه المذاهب في ساحات العبادة والمعاملة، مادام المفكرون المجتهدون من أهل الذكر وذوى الأصالة العلمية والخلقية. وإنما نكره التفرق في المعتقد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت