الصفحة 85 من 183

جهادا في غير عدو، أو كان حربا عمياء أذكى نارها المراء والغباء. فالخوارج حين كفروا العصاة كانوا جهلة بطباع البشر، وعجزة عن فهم الأسباب الدخيلة والأصيلة في الانحراف عن الطريق القويم. ص _089

والمرجئة حين هونوا من قيم الصالحات، ومقارفة السيئات كانوا جهلة بحق الله وما أوجب على عباده! وكانوا عجزة عن صياغة المجتمعات وتحصينها ضد التحلل والعطب. ودعك من المتقعر السمج الذى تساءل: كيف كلم الله موسى تكليما؟ أكان الكلام بلفظ وصوت، أم ماذا؟ والسمج الآخر الذى تساءل: كيف اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ وكيف انعقدت مودة بين الله وعبده؟ ثم دعك من تقليد المعتزلة لليونان في نمط تفكيرهم البالى. لقد اقتفوا أثر أرسطو في فهم الألوهية، ومعروف أن أرسطو أوغل في تنزيه إلهه حتى قطع علائقه بالأرض وما فيها، لأنه أكبر من ذلك! وجرده من أن تكون له صفة فوق الذات، لأن مقتضى التوحيد أن يعلم بذاته ويرحم بذاته ويقدر بذاته، فلا تكون له صفات العلم والرحمة والقدرة. وهذا التفكير لا وزن له من ناحيتى العقل والنقل، ولكن المتأثرين بالغزو الثقافى تبنوه وشغلونا به، وأقحموه إقحاما على تفكيرنا النظيف. ماذا لو بقى منهج السلف يخط أصول الإيمان كما ورثناه عن نبينا وصحابته؟! واشتغل الجمهور بما يرفع مستواه في معاشه ومعاده؟! تلك صورة للهيجان العقائدى الذى اكتنف تاريخنا العلمى أول الأمر، ثم تلاشى منه وبقى منه ما بقى. على أن هناك خلافات قد تنشأ من التدبر الذاتى للنصوص وقد نظرت في هذه الخلافات فوجدت ما بها من نزق واستطالة أكثر مما بها من ذكاء وتعبد لله. فقضايا خلق الأفعال، والتحسين والتقبيح كان يمكن علاجها بأفضل من الأسلوب الذى مزق الشمل وقسم الأمة. نعم من شيوخنا من رأى أكثر الخلافات لفظيا لا ثمرة له، فالذين أنكروا رؤية الله مثلا أنكروا رؤية مادية لها جهة وتحيز وانحصار! والذين أثبتوها لم يقرروا لها هذه الخواص ولم يقيسوا غائبا على شاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت