فهرس الكتاب
المذاهب الفقهية وسلطات الدولة لو كان الفقه مقصورا على شئون العبادات لمضى في طريقه مقطوع العلاقات بالدولة ورجالها، إذ إن المصلى حر في أن يسر بالبسملة أو يجهر بها وفق ما يؤثر من مذهب، حر في أن يسر بالتأمين أو يجهر به، إلى غير ذلك من عبادات خاصة آثر فيها وجهة ما.. لكن الأمر قد يتصل بالأموال والأعراض والدماء، ولا يمكن أن تبقى الحكومات بمعزل عن خلاف الفقهاء في هذه الميادين، فلا بد أن تتبنى مذهبا معينا، وتهمل غيره. هل تستقل المرأة بعقد زواجها ويجىء أمر الولى في المرتبة الثانية، أم يحظر مباشرة المرأة لعقد الزواج؟ هل تقبل توبة السارق قبل إقامة الحد، أم لا يجوز قبولها؟ وما النصاب الذى يجوز فيه القطع؟ هل يقام الحد في شراب لم يسكر ـ غير الخمر ـ أم لا؟ بل إن الحكومة قد تتدخل في أمور لها فيها مندوحة، كضرب النقاب على وجه المرأة مع ضعف الإسناد الفقهى له. وبدهى أن يتنافس أتباع المذاهب المختلفة في جعل الدولة إلى جانبهم. وقد حكى التاريخ أشياء مثيرة عن حماسة الأتباع ومسالك ذوى السلطان ربما زاغت عن النهج وخدشت قيم علماء أكابر. وقد يحتاج علاجها الآن إلى حكمة وتؤدة حتى تتحرر الحقائق العلمية وتؤمن المصالح العامة. إن المذاهب المنتشرة الآن هى الأربعة المعروفة، مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل، وقد نمت وامتدت على أنقاض مذاهب أخرى ليست ـ من الناحية العلمية ـ أقل منها قيمة كمذهب الليث بن سعد، وسفيان الثورى، والأوزاعى، وابن جرير الطبرى، وأبى ثور، وداود الظاهرى، وآخرين. والواقع أن الأربعة الذين رزقوا الشهرة نماذج جليلة للتقوى والعلم، وليس ص _095