الصفحة 91 من 183

خلودهم مصادفة ارتفع بها ناس مغمورون، كلا كلا، فإن التأمل في سير أولئك الأئمة يملأ الأفئدة مهابة وإعزازا، ويعلل لماذا التقت الجماهير حولهم وارتضت الأخذ عنهم..؟ وقد تضخمت هذه المذاهب على مر الزمان وكثرت التآليف فيها. ولا نستطيع القول بأن هؤلاء الأئمة الأعلام مسئولون عن كل ما صنعه المتأخرون تأثرا بهم أو بناء على ما تمهد من قواعدهم.. كما نرفض حصر الفقه الإسلامى في اجتهاد أولئك الأربعة الكبار أو إغلاق أبوابه بعدهم. فإن فضل الله لم يحتكره نفر من العلماء مهما علت منازلهم، ومصالح الشعوب تتجدد على اختلاف الزمان والمكان، وتحدث لها فتاوى وأقضية ينهض بها المستأخرون كما نهض بأمثالها المستقدمون. ثم إن أحدا من الأئمة الكبار لم يزعم لنفسه العصمة فيما روى أو فيما رأى. فإذا كشفت الأدلة المقنعة أن فيما ذهب إليه خطأ ما فإن التنبيه إلى هذا الخطأ يصبح مطلوبا. وغنى عن الذكر أن ذلك لا يحتاج للأدعياء والأغمار، وإنما يهدى إليه الراسخون الأتقياء. الاجتهاد الفقهى إذن مطلوب إلى قيام الساعة وله رجاله ومواطنه. بيد أن رفع الخلاف لابد منه كى تمضى الحياة في طريقها، وكذلك منع الفوضى، عندما تشتجر الآراء، وتكثر وجهات النظر، وهنا تتدخل الدولة. فإذا رأى أبو حنيفة أن المسلم يقتل في الذمى، ورأى غيره أن المسلم يعزر وحسب، فلن تبقى القضية معلقة إلى الأبد. إن حكم القاضى أو رأى الوالى يحسم الأمر. وكذلك إذا رأى ابن تيمية أن الطلاق البدعى لغو، ورأى غيره إمضاءه، فإن الدولة لن تترك هذا الخلاف نظريا إلى الأبد، فإن الأمر يتعلق ببقاء الأسرة، وصحة النسب، واستئناف العشرة، ولها أن ترفع هذا الخلاف، وأن تقر هذا الطلاق في سجلاتها أو تمحوه وينتهى الأمر. إن هذا التدخل كان الحل الممكن، ولكنه في نظرنا لم يكن الحل الأمثل. وسير تاريخنا العلمى والتشريعى في هذا المجرى سببه الانفصال المبكر بين العلم والحكم في تاريخنا السياسى، فلم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت