الصفحة 95 من 183

مرض نفسى أو أنانية خاصة أكثر مما هو حماسة دينية ومصلحة عامة. في القرن الخامس تولى إمارة المؤمنين بالمغرب والأندلس على بن يوسف بن تاشفين، وكان الرجل تقيا متحمسا، اشتد إيثاره لأهل الفقه والتقوى، فكان لا يقطع دونهم أمرا، وبسط نفوذهم في دولته، فجعل مشاورة الفقهاء طابعا عاما. وألزم القضاة ألا يبتوا حكما في صغير الأمور وكبيرها إلا بمحضر أربعة من الفقهاء. ص _099

ولم يكن يقرب منه ويحظى عنده إلا من علم مذهب مالك، فنفقت في زمنه كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها. قال المراكشى في كتابه المعجب:"كثر ذلك حتى نسى النظر في كتاب الله وسنة رسوله فلم يكن أحد يعتنى بهما كل الاعتناء". وهذا أيضا من المناكير البالغة! وأول ما نسأل عنه: هل يتبع أولئك مالكا رضى الله عنه الذى أبى حمل الناس على كتابه الموطأ، احتراما لما قد يكون بين يديهم من علم عن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبلغه في المدينة. ما معنى نسيان النظر في الكتاب والسنة وإدمان النظر في آراء الرجال؟ إن تاريخنا العلمى كان في القاع عندما وصل إلى هذه المرحلة. فشرف الفقه هو في انتمائه إلى كلام الله ورسوله. وإذا وهت صلة الفقه بالكتاب والسنة فإن أحكامه ستكون سوادا في بياض. إنها ستكون كورق النقد الذى لا رصيد له. والواقع أن عددا كبيرا من الفقهاء المتأخرين حشوا مؤلفاتهم بنظرات غير سديدة وأقوال غير مفيدة بل تصور بعضهم أمورا مستحيلة ووضع لها باسم الله أحكاما، وهى لا تزيد في قيمتها المعنوية عن خيالات ألف ليلة وليلة. ومن المستيقن أن أئمة المذاهب أبرياء من هذا اللغو، بل إن الرجال المعتد بهم في كل المذاهب يستعلون على هذه الهنات. ومهما تجاوزنا ما ورد في بعض المؤلفات المتأخرة فسيبقى البون واضحا بين الفقهاء الأوائل والمتأخرين. ولما كانت هناك حركة لإحياء الفقه الإسلامى، وجب استلفات الأنظار إلى أن الاستمداد والتأسى يكونان من رجالنا الأولين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت