الصفحة 97 من 183

ولو أن القرآن نزل أمس وبعث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ به منذ البارحة لما كان هناك بد من تفاوت الأنظار في أحكام الوضوء والصلاة لأن ذلك أمر طبيعي كما شرحنا. إن المخوف هو التعصب البليد، والتحزب السىء، وتحول الحرية الفكرية إلى فوضى واسعة، وذاك ما حدث للأسف، وما جعل العلماء يتجهون إلى إغلاق أبواب الاجتهاد، وضبط الأفهام الكثيرة في مذاهب أربعة. وعلاج الحرية الواسعة يكون بتنظيمها لا بمصادرتها. وقد كنت ـ أول أمرى ـ لا أرى حرجا من إغلاق باب الاجتهاد في فقه العبادات وحده، وقلت: تكفى بعض صور مما استراح إليه الأئمة، ولا حاجة إلى ما وراءها ولو كان مقبولا. إذا كان للأسد عشرون اسما فما جدوى معرفتها كلها؟ تكفينى عدة أسماء! وإذا كانت وجوه القراءة للكتاب العزيز سبعا أو عشرا فلم أجهد نفسى في استيعابها؟ تكفينى قراءة واحدة. إن التوسع في هذا المجال ربما كان شغل الإخصائيين، أما الجماهير فينبغى أن تذاد عنه وأن تساق إلى ميادين الكدح وسباق الحياة المدنية العارم، فإن تخلفنا في هذا المجال أزرى بنا ـ هكذا كنت أحدث نفسى ـ ورأيت في تركات الأئمة من الأقوال ما يكفى ويشفى، دون التعصب لمذهب معين. أما فقه المعاملات الذى جمد ـ وهذه مصيبة ـ من عشرة قرون، فإن تجميده عجز في دنيا الناس وقصور في دين الله على سواء. والضرورات صارخة بأن الإسلام يحتاج اليوم إلى جهود ذكية دءوب في الفقه الدولى والفقه الدستورى والفقه الإدارى، وإلى ملاحقة ما تجدد في عالم المال والتجارة وشئون العمل والعمال.. الخ. وقد تغيظت لأن بعض المنسوبين إلى العلم الدينى حاول الاجتهاد، فذهب إلى دورات المياه ودور العبادة، يستعرض عضلاته العلمية هناك.. مسكينة أمتنا. إن الاجتهاد في بعض الأحكام العبادية ممكن. وقد صرت إلى هذا الرأى بعدما قرأت رسالة للفقيه المعاصر الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود عنوانها"جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت