ثالثًا: كل صفه اتصف الله بها فهي على وجه الكمال ولا تزال بلا نقص مهما أعطى بها خلقه ؛ ولنضرب على ذلك مثالًا بصفة الرحمة:
الله تعالى هو الرحمن الرحيم ولم يزل ولا يزال كذلك ؛ وهو سبحانه وتعالى خلق من الرحمة ما يكفي على ما ينشرها على ما يشاء من خلقه ؛ فجعل هذه الرحمة المخلوقة مائة جزء ؛ وانزل جزء واحدًا منها لتتراحم به الخلائق في الحياة الدنيا ؛ حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه من ذلك الجزء ، أي من ذلك الجزء من الرحمة التي أنزلها الله ؛ فانظر رحمك الله إلى مئات الآلاف من الأجناس والأنواع من الأحياء في البر والبحر؛ ثم بتكرار الأجيال إلى يوم القيامة ؛ فكم يكون عدد الأمهات من البشر وغيرهم من الأحياء ولا يحصيهم أبدًا إلا الله ، فكم يكون عظم هذا الجزء من الرحمة ؛ فكيف إذا أضيف إلى كل ذلك كل رحمه بين الآباء والأبناء وبين الرجال والنساء ؛ وبين الكبار والصغار ؛ وبين الرحماء والمساكين ؛ فكيف إذا أضيف إلى ذلك رحمته تعالى بإرسال الرياح ؛ وإنزال الماء من السماء ؛ وإخراج النبات مما يأكل الناس والأنعام ؛ ثم أضف إنجاء المؤمنين وغير ذلك من أنواع الرحمة .. وكلها داخلة في جزء واحد من المائة رحمة ؛ ثم قيل يوم القيامة يرفع ذلك الجزء لينضم إلى التسعة والتسعين ؛ فتصير مائة كلها لأولياء الله يوم القيامة .. فكل هذه الرحمة التي جرت في الدنيا وأخذ منها جميع الخلق من البشر وغيرهم ؛ حتى أئمة الكفر ؛ فإنهم ما مكثوا على كفرهم عشرات السنين إلا برحمة الله لعلهم يتذكرون ويتوبون ... كل هذه الرحمة لم تنقص من أتصاف الله تعالى بالرحمة ولو بمثقال ذرة وقس على ذلك في جميع الصفات من الخلق والرزق والعزة وغيرها ... فلو أن الأولين والآخرين اجتمعوا في صعيد واحد فطلب كل منهم من الله رزقًا بما يريد فأعطاهم الله إياه ؛ ما نقص ذلك من صفه الرزق لله شيئًا ولو بمثقال ذرة فهي صفة كاملة لا تختل ولا تتجزأ ولا