وكذا حال المرأة مع زوجها لتستديم محبته، وتكسب ثقته ومودته.
والواقعية في هذا قد نبه عليها الشاعر بقوله:
فسامح ولا تستوف حقك كله ... وأبق فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وآخر يقول مبينًا ضرورة الواقعية في الصحبة:
سامحْ أخاك إذا خلَط ... منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوما أو سقط
واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أو غمط
وأطعه إن عاص وهُنْ ... إن عز وادنُ إذا شحط
واعلم بأنك إن طلبت ... مهذبا رُمْت الشطط
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
سادسًا: معرفة كل من الزوجين نفسية صاحبه
وهذه إحدى القضايا التي لا تجد من كثير من الأزواج عناية مع أن دوام العشرة، وهناءة العيش لا تحصل على أتم وجوهها إلا عندما يدرك كل منهما نفسية صاحبه ومزاجه، وما يحبه ويكرهه، وما يرضيه ويسخطه، وما يقبله، ويرفضه، وهذه الأمور لا يتحتم إدراكها بالسؤال، بل يعرفها الفَطِن الذّكي من الحال والمقال.
وخير ما يستشهد به على هذا لبيان أثره على حياة الزوجين قصة شُريح القاضي، لما تزوج بامرأة من بني تميم، فيقول: لما دخلت عليها قمت أتوضأ، فتوضأت معي، وصليت فصلت معي، فلما انتهيت من الصلاة دعوت بأن تكون ناصية مباركة، وأن يعطيني الله من خيرها، ويكفيني شرّها، قال: فحَمِِدَت الله، وأثنت، ثم قالت: إنني امرأة غريبة عليك فماذا يعجبك فآتيه، وماذا تكره فأجتنبه، قال: فقلت: إني أحب كذا، وأكره كذا، فقالت: هل تحب أن يزورك أهلي. فقلت: إنني رجل قاضٍ، وأخاف أن أملَّهم، فقالت: من تحب أن يزورك من جيرانك، فأخبرتها بذلك.
قال شريح: فجلست مع هذه المرأة في أرغد عيش وأهنئه حتى حال الحول، إذ دخلت البيت فإذا بعجوز تأمر وتنهى، فسألتُ: من هذه؟ فقالت: إنها أمي. فسألته الأم: كيف أنت وزوجتك؟ فقال لها: خير زوجة، فقالت: ما حوت البيوت شرًّا من المدللة، فإذا رابك منها ريب فعليك بالسوط.