ويجيء بعد ذلك ما بذله الأئمة الفقهاء من أصحاب المذاهب التي اشتهرت بين الناس فاتبعوها في عبادتهم ومعاملاتهم وشئون حياتهم, وأشهرهم حسب الترتيب التاريخي الإمام زيد بن علي زين العابدين 122 هـ والإمام جعفر الصادق المتوفى 148 هـ وأبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام العراق المتوفى سنة 150 هـ وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام الشام المتوفى 157 والليث بن سعد إمام مصر المتوفى سنة 175 ومالك بن أنس إمام دار الهجرة المتوفي 179 هـ ومحمد بن إدريس الشافعي المتوفي بمصر سنة 204 هـ ثم أحمد بن حنبل إمام العراق المتوفى 241 هـ .
وهناك مذاهب فقهية لأئمة لم يكتب لفقههم أن ينتشر لأسباب هم غير مسئولين عنها مثل سفيان الثوري 161 هـ , وأبي ثور الكلبي 220 هـ وداود الظاهري 270 وأبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير وكتابه المشهور في التاريخ ونحن غير ذوي قدرة على الاستطراد في الحديث عن العلم الديني وأئمته وعلمائه إذ ليس ذلك موضوع البحث المحدد ولكن نستطيع أن نسجل للعلماء الذين توفروا على التخصص في الموضوعات الثلاثة التي تناولناها كمثال على العلم الديني إنهم تبحروا في موضوعاتهم عمقا واتساعا بحيث أنشأوا ما قد اصطلح عليه بعلوم القرآن كما ابتكروا في"السنة"علما جديدا هو علم مصطلح الحديث, وهو علم غير مسبوق أدهش المستشرقين والدارسين في الإسلام من غير المسلمين بمنهجيته ودقته والمراتب التي وضعوها لرواية الأحاديث التي وصلوا بها إلى أربعة وستين نوعا (11, وقد تمخض علم مصطلح الحديث عن علم آخر هو علم الجرح والتعديل, كما وضعوا كتبا في مصطلح الحديث(12) .
وقبل أن يضع علماء الحديث كتبهم في علم أصول الحديث, كان الإمام الشافعي قد سبقهم إلى وضع علم جديد هو علم أصول الفقه, وضع أسسه في كتابه القيم"الرسالة"