الصفحة 18 من 29

ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد إنه لابد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله" [1] "

لهذا نجد الأعراف معتبرةً في معظم جوانب الحياة المختلفة، وذلك يشمل كثيرًا من الأنظمة والمعاملات، سواء المالية أو الاجتماعية والأخلاقية أو غيرهما.

وقد بين كثير من الأئمة هذه السعة والتنوع والشمول، فعلى سبيل المثال يقول العلامة السعدي:"العرف أصل كبير، يرجع إليه في كثير من الشروط والحقوق التي لم تتقدر شرعًا ولا لفظًا" [2] .

أما الشيخ ابن قاسم: فيؤكد هذا بقوله:"تعتبر العادة والعرف في مسائل كثيرة، حتى جعلت أصلًا، فالعادة محكمة معمول بها شرعًا". [3]

ثانيًا: اعتبارُ الأعراف يعمل على إيضاح وسطية الدعوة الإسلامية واعتدالها:

من خصائص الدعوة الإسلامية التوسط والاعتدال بلا إفراط ولا تفريط. فالتنطع والتشديد حرج في جانب عسر التكليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح، وعدم تحقيق مقاصد الشرع، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [4] ، فالتوسط ورفع الحرج هو منبع الكمالات، إنما يكون في سلوك طريق الوسط والاعتدال.

والعرف إذا لم يعتبر، والعادات إذا لم يكن لها مكان في دعوة الإسلام أدى ذلك إلى الحرج الشديد، لأننا نلاحظ مدى ارتباط المدعوين بما ألفوه، واعتمادهم عليه [5] ، وفي المقابل لا يمكن اعتماد أي عرف مطلقًا لمجرد إلف الناس له، واحتياجهم إليه، وتحقيقه لمصالحهم، فكان الحل الوسط.

والذي لخصه شيخ الإسلام بقوله:"إن موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة ومن العرف تارة أخرى، لكن كلاهما مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله" [6] أما الشيخ أبو زهرة فيوضح ذلك بقوله:"لا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من ضروب المصلحة لا يصح أن يتركه الفقيه بل يجب الأخذ به". [7]

ثالثًا: اعتبار الأعراف يؤكد واقعية الدعوة الإسلامية وسهولتها:

فمن خلال العرض يتبين جانب كبير من واقعية هذه الدعوة، ومثاليتها، وسهولتها، إذ من المتعارف أن للعادات سلطانًا على النفس وتحكمًا يجعلها تقرب من قوة الطبيعة التي جبل الله الناس عليها، وقد قرر علماء النفس أنه بكثرة تكراره تألفه الأعصاب والأعضاء وتتكيف به، ولا سيما إذا اقتضته الحاجة والمصلحة، ونزع الناس عن هذه العادات المستحسنة التي استقام عليها كثير من مصالحهم يتنافى مع واقعية الدعوة ومثاليتها ومرونتها، التي حددها سبحانه بقوله: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [8] ويؤكد هذا الأمر الإمام ابن القيم- رحمه الله- وهو يقرر تغير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والعادات فيقول: هذا فصل عظيم النفع جدًا، فتح بسبب

(1) 3 - ... مجموعة رسائل ابن عابدين/ للعلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين (2/ 125) دار الكتب.

(2) 1 - ... المختارات الجلية من المسائل الفقهية/ للشيخ عبد الرحمن السعدي (ص 55) مرجع سابق.

(3) 2 - ... حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع (5/ 197) مرجع سابق.

(4) 3 - ... سورة البقرة / آية 143.

(5) 4 - ... انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية/ للشيخ الدكتور صالح بن حميد (ص 321) دار الاستقامة، ط. الثانية 1412هـ. والعرف والعادة/ للشيخ أحمد أبو سنة (ص 32) مرجع سابق.

(6) 1 - ... مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية (34/ 91) مكتبة المعارف- الرباط.

(7) 2 - ... مالك حياته وغصره وآراؤه وفقه / للشيخ محمد أبو زهرة (ص 353) دار الفكر العربي، ط. الثانية 1952م.

(8) 3 - ... سورة البقرة / الآية 185

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت