فهرس الكتاب
وقد ألمحنا فيما مر أن أول جبل أوتد به الله الأرض عندما مادت إنما هو جبل أبي قبيس، وإن شئت أن تغالي في الأولية وتبسط رداءها أبعد مما ذهبنا (تأويلًا) فأذكر لك ما أشار إليه المسعودي فيما نقله الفاسي من أن (ملك مكة وما يليها من الحجاز من ولد المحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم عليه السلام هو(أبجد) [1] فيما إخوته هوز، وحطي وكلمون ... إلخ ملوك غيرها، فكأن ملك أول بيت هو أول الأبجدية.
2 -خاتمية الرسالة:
تتصل هذه السمة بالسمة السابقة من حيث إنهما طرفا تاريخ مكة بين أولية الوضع وخاتيمة الرسالة من الأزل إلى الأبد. ويتأتى هذا المكون في شخصية مكة من رافدين أحدهما فحوى الرسالة (الحنيفية السمحة) ومضمونها - التوحيد ونبذ الشرك وعبادة الأصنام - وهو الرافد الذي يضرب عمقًا في الزمان والمكان منذ قدم إبراهيم عليه السلام بهاجر وإسماعيل إلى هذا الوادي {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} (إبراهيم: 37) ، ثم يبني إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة البيت الحرام {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} (البقرة: 127) ، وهذه الحنيفية هي التي وصف الله بها خليله إبراهيم عليه السلام حين قال عز من قائل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: 67) ، والإسلام الدين الحنيف الذي ارتضاه الله تعالى فقال: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ
(1) شفاء الغرام 1/ 455.