فهرس الكتاب
"مسألة الفضلة": قد يقول قائل: ما معنى كونه فضلة وأصبح عُمدَة؟ الفضلة: هو ما لم يكن ركنا في الإسناد وإن احتيج إليه، لأنه أحيانا يكون الفضلة لا يستقيم الكلام إلا به، فإذا قلت:"جاء محمد راكبا"، الفعل"جاء"والفاعل"محمد"، هذان هما الركنان، لكن لو قلت:"جاء محمد"وسكتَّ ما استقام الكلام؛ لأن المقصود بالكلام هو بيان حال مجيئه وهو"راكبا"، إذن لم يُستَغْنَ عن الفضلة، ومع ذلك هو فضلة، إذن ليس المقصود بالفضلة هو ما يستغنى عنه، ولكن المقصود بالفضلة هو ما لم يكن ركنا في الإسناد؛ أي أحد الركنين، وإن كان الكلام لا يستقيم إلا بذكره.
بناءً على ذلك، المفعول به بعد أن كان منصوبا رُفِعَ، بعد أن كان فضلة عُمِّد، بقي بعد ذلك الأحكام التي عرفناها عن الفاعل أيضا أنه لا يتقدم على فعله، نائب الفاعل لما كان مفعولا به كان يجوز أن يتقدم فتقول في:"أكرم الرجلُ أو الأستاذُ طالبًا"، فيصح أن نقدم"طالبا"فنقول:"طالبا أكرم الأستاذ"فقد تقدم، أو نوسطه بين الفعل والفاعل فنقول:"أكرم طالبًا الأستاذُ"فكما ترون المفعول به حُر يتقدم ويتأخر ويتوسط بحسب المقاصد، طبعا التقديم والتأخير يا إخواني وإن كانت في نظرة النحويين أنها قضية جوازية، لكنها بلاغيا هي لمقاصد، وليس التقديم والتأخير هكذا يكون بلا فائدة، فإنما يُقَدِّم الفصيحُ والبليغُ الكلمةَ عن مكانها أو يؤخرها عنها لمقصد يريده، وإلا فالأصل لزوم الترتيب الأصلي للجملة، وقولنا:"يجوز"هذا معناه أن التركيب قد يكون بهذه الأحوال، لكن بكل حالة منها غرض بلاغي يتعلق به.