الصفحة 21 من 36

فالجواب عنه: بأن قوله تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ) الآية. يذكر ما حدث مع بني قريظة، وهم قد قسمت أرضهم على المسلمين, وحصول التقسيم في حالة معينة لا يعنى ضرورة حصوله في غيرها، كيف لا، وقد ثبت أنه لم يحصل التقسيم في حالات أخرى.

وأما قوله تعالى: (وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا) ، فهو يعنى أن الله تعالى سيورث المسلمين أرضًا لم تطأها أقدامهم، والوراثة لا تقتضى إيجاب المالك؟؟؟ قد يعني الظهور والغلبة ومن كانت تقتضى الملك، فقد حصل في بعض الأراضي، وهذا يكفى ... لأن الآية تذكر أرض واحدة لا جميع الأرض [1] .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها ... » فقد أجاب عنه القاضي عياض بقوله: «يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، بل جلا عنه أهله، أو صالحوا عليه، فيكون سهمهم فيها أي: حقهم من العطايا، كما يصرف الفيء، ويكون المراد بالثانية ما أخذه عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقية للغانمين، وهو معنى قوله: «ثم هي لكم» أي: باقيها» [2] .

وأما ما أخرجه البخاري، عن أبى هريرة أنه قال: «افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، وإنما غنما البقر والإبل والمتاع والحوائط ... » .

فالجواب عنه: بأن «هذا الحديث لا يدل على أكثر من أنواع الغنيمة التي غنمت في خيبر، وأما ما فعل بهذه الغنائم، فيستفاد من نصوص أخرى» [3] .

ثانيًا: مناقشة أدلة القول الثاني القائل بوقف أرض العنوة:

يجاب عن أدلة هذا القول بالآتي:

أما آيات الحشر التي استدل بها الفريق الثاني على ما ذهبوا إليه، فالجواب عنها: بأن الاستدلال بهذه الآيات قائم على أساس أن الفيء هو الغنيمة، وبيان هذا على النحو الآتي [4] :

أن قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية. بيان لحكم الفيء الذي حصل عليه المسلمون بدون قتال.

وقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ) الآية. بيان لحكم الفيء لذي حصل عليه المسلمون بالقتال، وهو الغنيمة.

والعمل بهذين الحكمين أولى من إهمالهما، أو العمل بأحدهما وترك الآخر والعمل بهما ممكن إذا جمعنا بينهما، ويكون دفع التعارض بأن تخص آيات الحشر بالأرض، وآيات الأنفال بما على الأرض من الأموال المغنومة, وهذا المفهوم مخالف للمشهور من أن الفيء غير الغنيمة [5] .

فالفيء: هو المال الذي حصل عليه المسلمون من الكفار بعير قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كالجزية.

والغنيمة: ما حصل عليه المسلمون من أموال من الكفار المالكين له بقتال وإيجاف خيل وركاب [6] .

وبناء على ما تقدم، فإن آية الأنفال تختلف عن آيات الحشر, فآية الأنفال واردة في بيان حكم الغنيمة ومصارفها, وآيات الحشر واردة في بيان حكم الفيء ومصارفه, وبذلك يتضح أن آيات الحشر لم تخصص آية الأنفال، كما قال بعض الفقهاء [7] .

وأما الاستدلال بفعل عمر رضي الله عنه في أرض السواد, فقد أجاب عنه أصحاب القول الأول بما يأتي [8] .

1 -أن وقف عمر بن الخطاب لأرض السواد قد جاء بعد استطابة نفوس المقاتلين، كما تقدم ذكر ذلك.

2 -أن هذا الوقف لم يكن مجمعًا عليه من قبل الصحابة. وإنما كان محل خلاف عندهم, فمنهم من رفض هذا الوقف، ومنهم من أيده. وليس بعض الصحابة أولى بالاتباع من بعضهم الآخر. وهم إذا تنازعوا في أمر، فإن المردود إليه هو ما افترض الله تعالى الرد إليه، إذ يقول الله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [9] .

والرد يوجب اتباع قوله الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية.

(1) الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 283.

(2) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 69. وانظر: الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 284.

(3) الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 285.

(4) انظر: نفس المرجع / 287.

(5) انظر: نهاية المحتاج 6/ 133.

(6) نهاية المحتاج 6/ 134، 143، والخراج ليحيى بن آدم القرشي / 19، والأحكام السلطانية للماوردي / 126، والأحكام السلطانية لأبي يعلى / 136، والملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 287 - 288.

(7) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/ 341 - 342، والملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 289.

(8) الأم 4/ 103، والمحلى 7/ 342، 344.

(9) النساء /59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت