فهرس الكتاب
فالذي ينبغي على الآكلين بعد تناول الطعام أن يستأذنوا للخروج ، فإذا رأوا من صاحب الدار رغبة صادقة في بقائهم ، أو حياءً منهم ، جلسوا وتذاكروا فيما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة ، فإذا مضت مدة يسيرة استأذنوا مرة أخرى ، ولم يبقوا بعد ذلك ، فكثرة الكلام ربما جرت إلى الوقوع فيما لا تحمد عقباه ، عن أَبَي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ" [ متفق عليه ] ."
هكذا هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا أكل عنده الناس طعامًا خرجوا ولا مستأنسين لحديث ، لأن الله أمرهم بذلك في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا" [ الأحزاب ] .
قال القرطبي رحمه الله:"فإذا طعمتم فانتشروا: أمر من الله تعالى بأن يتفرق جميعهم وينتشروا ، والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل . [ تفسير القرطبي 14 / 200 ] ."