فهرس الكتاب

الصفحة 3136 من 3637

دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا، وَلِهَذَا

امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} أَيْ أَغْصَانٍ نَضِرَةٍ حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نضيجة، {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ؟ هَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشَّجَرِ يَمَسُّ بَعْضُهَا بعضًا، وقال عكرمة {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} يَقُولُ: ظِلُّ الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، ألم تسمع قول الشاعر:

مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامَةٍ * تَدْعُو على فنن الغصون حماما

وعن ابن عباس {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} : ذواتا ألوان، ومعنى هذا القول أن فيهما مِنَ الْمَلَاذِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا والله أعلم، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَقَالَ: «يَسِيرُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ - أَوْ قَالَ يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ كأن ثمرها القلال» (أخرجه الترمذي في سننه) {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أَيْ تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا تَسْنِيمٌ، وَالْأُخْرَى السَّلْسَبِيلُ، وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قال ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ ولا مرة إلا وهي في الجنة، وليس فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَوْنًا عَظِيمًا وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت