فهرس الكتاب

الصفحة 3469 من 3637

ابن عِيَاضٍ: لَوْ قَالَ لِي: مَا غَرَّكَ بِي؟ لَقُلْتُ: سُتُورُكَ الْمُرْخَاةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لَوْ قَالَ لِي: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَةِ: إِنَّمَا قَالَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَأَنَّهُ لَقَّنَهُ الْإِجَابَةَ، وَهَذَا الَّذِي تَخَيَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِطَائِلٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ، لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَابَلَ الْكَرِيمُ بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أَيْ جَعَلَكَ سَوِيًّا مستقيمًا معتدل القامة، منتصبًا في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بْنِ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ ثُمَّ قَالَ:"قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ أنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مثل هذا؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي: قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وأنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟" (أخرجه أحمد وابن ماجه) .

وقوله تعالى: {فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَيِّ شَبَهِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، أو خال أوعم، وقال عكرمة في قوله تعالى: {فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ قِرْدٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ خِنْزِيرٍ، وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ حِمَارٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ خِنْزِيرٍ، وقال قتادة: قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَعْنَى هَذَا القول عندهم أَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَى شَكْلٍ قَبِيحٍ، مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُنْكَرَةِ الْخَلْقِ، وَلَكِنْ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِهِ وَحِلْمِهِ، يَخْلُقُهُ عَلَى شَكْلٍ حَسَنٍ مُسْتَقِيمٍ، مُعْتَدِلٍ تَامٍّ حَسَنِ الْمَنْظَرِ والهيئة، وقوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين} أي إِنَّمَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْكَرِيمِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالْمَعَاصِي، تكذيب قُلُوبِكُمْ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِن عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يَعْنِي وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَمَلَائِكَةً حَفَظَةً كِرَامًا، فَلَا تُقَابِلُوهُمْ بِالْقَبَائِحِ، فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنِ التَّعَرِّي، فَاسْتَحْيُوا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ معكم الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَكُمْ إِلَّا عِنْدَ إِحْدَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ: الْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره". وفي الحديث:"مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ عزَّ وجلَّ مَا حَفِظَا فِي يَوْمٍ فَيَرَى فِي أول الصحيفة، وفي آخرها استغفارًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ما بين طرفي الصحيفة" (أخرجه الحافظ البزار عن أنَس بن مالك مرفوعًا) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَعْرِفُونَ بَنِي آدَمَ - وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَعْمَالَهُمْ - فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وَسَمَّوْهُ، وَقَالُوا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، نَجَا اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان" (أخرجه البزار أيضًا وفي سنده سلام المدائني ليّن الحديث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت