ثم يواصل السياق فيقول: ( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) (يونس:106) وهذا امتداد لاختصاص الله تعالى بالدعاء .
ثم يظل السياق ممسكًا بقضية إفراد الله تعالى واختصاصه بالعبادة والدعاء فيضيف إلى ذلك اختصاصه بكشف الضر فيقول:
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107)
هكذا بأسلوب القصر وبطريقه الرئيس ( ما وإلا ) . بحيث يأتي اسمه ( الغفور ) في سياق مشحون بالقصر وإفراد الله تعالى بالعبادة والدعاء وكشف الضر ثم بالمغفرة والرحمة . فيتساوق الجميع في نمط واحد من التعبير .
فإذا جئنا إلى آية يوسف وجدنا السياق تحيط به ظلال مختلفة . فأفعال أخوة يوسف لا تخفي على أحد والآثار الناجمة من هذه الأفعال طوّحت بأخيهم بعيدًا عن أبويه ، وألقت به في السجن ، ونشأ محرومًا من بيت النبوة ، كما أن هذا الآثار امتدت إلى الأب فابيضت عيناه من الحزن ،
ولما دارت الأيام وانكشفت أفعالهم ، طلبوا الاستغفار من أبيهم ، وتوددوا إليه بكلمة ( يا أبانا ) واعترفوا فقالوا ( إنا كنا خاطئين)
فأراد أبوهم- عليه السلام- أن يعلمهم أن ما فعلوا لا يقدر على غفرانه إلا الله تعالى ، لكن في عرف البشر فالأمر جلل 00، فالمغفرة قدرة ، وهذا الخطأ لا يغفره إلا الله تعالى لذلك قال ( سوف أستغفر لكم ) وقال ( ربي ) ولم يقل ( ربكم ) رغبة في تحقيق المغفرة منه سبحانه ، ويؤكد هذا قول يوسف لهم أيضًا ( يغفر الله لكم )
إن كل ذلك يدل على أن ما فعلوه لا يغفره إلا الغفور فكأن هناك مقامات للمغفرة ، وهذا المقام لله وحده . لذلك عقب بقوله (إنه هو الغفور الرحيم) أي وحده القادر على غفران هذا الذنب .