الصفحة 72 من 92

وهذا الجو الذي تملؤه مشاعر متناقضة ورغبات والتزامات تفرضها شريعة غراء ، هذا الجو الذي تفلِتُ فيه-دون قصد- مخالفة أو تند عنه-دون عمد- هفوة ، أو يرتكب فيه-بغير إرادة- خطأ ، كان التعقيب عليه ( إن الله غفور حليم ) .

فالمغفرة هنا متعلقة بأمور يشق على النفوس ضبطها ضبطًا كاملًا ، يقول ابن عاشور [ لعل المراد من المغفرة هنا التجاوز ، لا مغفرة الذنب .. ] لأن الذنب مقصود ،ولقد رفع عن أمة محمد e [الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ] .

وعليه يأتي اقتران العفو بالحليم اقتران تهذيب وتربية في أمور ترتبط بما قد يستحي منه،كما يلمح في التذييل باسمه (الحليم) أيضًا أن المغفرة هنا دعوة إلى عدم التعجل ومحاولة ضبط النفس ولذلك قيل (واعلموا) أي: تعلموا وتخلقوا بهذا الخلق .

وينتقل التعليم والتربية بصفة الحلم إلى جو آخر ، تتعجل فيه النفوس أيضًا خوفًا من الموت ، فجاء الدرس:

قال تعالي (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران:155)

فالقوم أشيع فيهم أن رسول الله e قد قتل ، فحملهم الشيطان على ترك المعركة ثم عادوا وجاهدوا فكانت المغفرة لعودتهم، لكنها مغفرة حليم لم يعجل عليهم بذنبهم، وليست المغفرة هنا إلا الصفح والعفو ، وهذا يؤكد أن دلالة ( الغفور) لا تعنى ستر الذنب من كل موضع ، بل قد تتجاوز إلى الصفح عنه والتجاوز وعدم المؤاخذة .

وهو معنى ملتصق بالستر ، فالستر كما سبق بداية المحو وأول العفو ، ولقد ورد قبل ذلك في أحاديث نبوية ومنها: [ثلاث من كن فيه ستر الله عليه وأدخله جنته ]

ومنها: [ حديث أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما ستر الله على عبد ذنبًا في الدنيا فعيّره به يوم القيامة ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت