الصفحة 130 من 138

يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين ، الذي دعاهم عيسى ابن مريم ، وقال لهم:"يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم"، أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير ، وأنهاكم عن الشر ، وأيدني بالبراهين الظاهرة ، ومما يدل على صدقي ، كوني"مصدقا لما بين يدي من التوراة"، أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة ، والشرائع السماوية . ولو كانت مدعيا للنبوة ، غير صادق في دعواي ، لجئت بغير ما جاء به المرسلون ، ومصدقا لما بين يدي من التوراة أيضا ، أنها أخبرت بي وبشرت ، فجئت وبعثت مصدقا لها"ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"، وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي . فعيسى عليه الصلاة والسلام كسائر الأنبياء ، يصدق بالنبي السابق ، ويبشر بالنبي اللاحق ، بخلاف الكذابين ، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة ، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق ، والأمر والنهي ."فلما جاءهم"محمد ( الذي بشر به عيسى"بالبينات"، أي: الأدلة الواضحة ، الدالة على أنه هو ، وأنه رسول الله حقا ."قالوا"معاندين للحق مكذبين له:"هذا سحر مبين"، وهذا من أعجب العجائب . الرسول الذي قد وضحت رسالته ، وصارت أبين من شمس النهار ، يجعل ساحرا بينا سحره ، فهل في الخذلان أعظم من هذا ؟ وهل في الافتراء أبلغ من هذا الافتراء ، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته وأثبت له ما كان أبعد الناس عنه ؟"ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب"بهذا أو غيره ، والحال أنه لا عذر له ، وقد انقطعت حجته ، لأنه"يدعى إلى الإسلام"، وتبين له براهينه وبيناته ."والله لا يهدي القوم الظالمين"الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين ، لا تردهم عنه موعظة ، ولا يزجرهم بيان ولا برهان . خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه ، ولينصروا الباطل ، ولهذا قال عنهم:"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم"، أي: بما يصدر منهم من المقالات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت