حتى و هو صبى كان سلوكه يدل على نعمة الله بمثل تلك الأم المسلمة ...
* قال أبو سراج بن خزيمة - وهو ممن كان
مع أحمد بن حنبل في الكتّاب صغيرا - إن أبي جعل يعجب من أدب أحمد
وحسن طريقته, فقال لنا ذات يوم:
أنا أنفق على أولادي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم ، انظر كيف يخرج ؟
و جعل يعجب .
* وكان الهيثم بن جميل بفراسته يقول عن أحمد:
أحسب هذا الفتى - إن عاش - يكون حجة على أهل زمانه
و يكبر الصبى النابه ...
ها هو أحمد في المسجد , لا يتكلم بل يسكت ,
فتعمر القلوب بالنظر لسمته , و ينساب الهدوء بين الحنايا مع دمعته الرقيقة الخاشعة
فكيف لو تكلم ....أرأيتم الأم المربية حين تنتج جيلا مسلما ! رحمها الله رحمة واسعة و رضى عنها ...تحملت الفقر و ضحت بالشباب لتكون متفرغة لابنها النابغة , و لم تعش أرملة ميتة على أشلاء أمل قديم .
و كان أحمد وفيا لأمه , لدرجة أنه خشى أن تزعجها سيدة أخرى بأى منغصات, فلم يتزوج حتى توفيت , و هو في الثلاثين من عمره .
كانت البداية بزرع الورد الذى لا يذبل
بالكتاب المقدس المكرم المطهر
فأعانته أمه المثالية على تعلم القرآن المكرم , تلاوة و حفظا , حتى لبسا تاج البهاء ... و وعى ابنها الذكر في صدره و ختم القرءان حفظا ..
و في الخامسة عشرة دخل حلقات العلماء ليشرب من نهر السنة العذب السلسبيل
فجلس في مجالس الحديث الشريف
حتى سمع ما ببغداد كله !
فقرر أن يجوب الدنيا , و يركب البحر و يشرب الصبر ليجمع كل كلمة قالها الحبيب صلى الله عليه سلم , و يحققها ( سندا و متنا ) , فيتأكد من صدق ناقليها عدلا , و يسمعها بنفسه منهم بلا واسطة , فيعلو به النقل و التوثيق العلمى التاريخى , فلا يكون بينه و بين النبى صلى الله عليه وسلم إلا أقل عدد ممكن , كى لا تشوب النقل شوائب !
لا يهم الوقت
لا يهم الجهد