ثم قال -رحمه الله-
فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ولا القرب من رب العالمين إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير هكذا سبق في الأزل بتدبير رب الأرباب ولذلك قال تعالى (ونَفْسٍ ومَا
سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10 ) ) -الشمس
فمهما وقع العبد في ذنب فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان.
الطبقة الرابعة: أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هى النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره في مشيئة الله فإن ختم له بالسوء شقى شقاوة لا آخر لها وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفى لا تطلع عليه كما لا يستحيل أن يدخل الإنسان خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده وأن يجلس في البيت ليجعله الله عالما بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة وركوب البحار وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال كطلب الكنور في المواضع الخربة وطلب العلوم من تعليم الملائكة وليت من اجتهد تعلم وليت من اتجر استغنى وليت من صام وصلى غفر له فالناس كلهم محرومون إلا العالمون والعالمون كلهم محرومون إلا العاملون والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم وكما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عنه ذوى البصائر من الحمقى والمغرورين وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله فكذلك من ينتظراهـ
ولا يغيب عن فطنة القاريء الكريم إن الإنسان تختلف طبيعة نفسه باختلاف الظروف والأحوال فقد يجد نفسه في بعض الأحوال مقبلًا علي الله .. يخشع في صلاته .. يبكي في دعائه وقنوته .. يكثر من قراءة القران وتدبره .. يحافظ علي أذكار الصباح والمساء ... يحب كل خير.
وفي أحوال أخري يجد نفسه ساهي لاهي لا يخشع في صلاته وربما يتكاسل عن أدائها في أوقاتها وربما يصليها منفردًا تاركًا فضل الجماعة دون عذر هاجرًا لكتاب الله لا يقرأ فيه ألا بين الفينة والفينة .. قليل الدعاء والذكر وغير ذلك. وبِعلم المرء بالطبقة التي تنتمي إليها نفسه التي بين جنبيه في علاقتها بالله تعالي وعبوديتها له بناء علي طاعاته المختلفة من الأعمال والأقوال يبدأ محاسبته لها وتلك هي الخطوة الثانية.