فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 24

ينفك البشر عنها في العادات مهما لم يكن في رتبه النبوة فهذا هو الاستقامة على التوبة وصاحبه هو السابق بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات واسم هذه التوبة التوبة النصوح واسم هذه النفس الساكنة النفس المطمئنة التى ترجع إلى ربها راضية مرضية. ثم قال:

الطبقة الثانية تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر الفواحش كلها إلا انه ليس ينفك عن ذنوب تعترية لا عن عمد وتجريد قصد ولكن يبتلى بها في مجارى أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنه كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التى تعرضه لها وهذه النفس جديرة بأن تكون هى النفس اللوامة إذ تلوم صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وتخمين رأى وقصد وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهى أغلب أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينه الآدمى قلما ينفك عنه وإنما غاية سعية أن يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفه الحسنات فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك في غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال تعالى (الَذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ) -32 النجم

فكل المام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه قال تعالى (والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) آل عمران/135

فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه.

الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوات في بعض الذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يود لو اقدره الله تعالى على قمعها وكفاه شرها هذا أمنيته في حال قضاء الشهوة عند الفراغ يتندم ويقول ليتنى لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسى في قهرها لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم فهذه النفس هى التى تسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(102) -التوبة/102

فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره فربما بختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيئة فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتن عليه بالتوبة التحق بالسابقين وإن غلبته شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحق عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت