سبحانه فجرى أثر ذلك النور في سمعه ونثره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة فإن فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى:
(أن الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ) - العنكبوت45
ثم قال-رحمه الله-:- وإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما إغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) -هود
وقال سبحانه (الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ(13 ) ) -الأحقاف اهـ
وسوف نطرح ثلاثة خطوات واحدة تلو الأخرى وهذا لا يمنع البتة من أن تكون هناك خطوات أخري يراها البعض لازمة للوصول للسمو الروحي وغني النفس وبالتبعة التطبيق العملي للإجابة علي هذا السؤال"من أنا وماذا أريد؟"وكل إنسان أدري بدخيلة نفسه والله المستعان.
الخطوة الأولي: تصنيف النفس حسب طبقاتها
أخي القاريء .. الخطوة الأولي في طريقنا لتحقيق الإجابة العملية علي هذا السؤال من أنت وماذا تريد؟ .. تبدأ في معرفة طبقات النفس المختلفة حتي تستطيع معرفة إلي أي طبقة تنتمي إليها نفسك التي بين جنبيك في طاعتها وعلاقتها بالله تعالي وأنابتها إليه, ومن ثم تبدأ الخطوة الثانية وهي محاسبة النفس عن الخطأ وتهذيبها وتقويمها للأفضل ثم الإنتفال للخطوة الثالثة وهي علاج عيوبها وصقل مميزاتها بالسبل المختلفة لهدايتها إلي الحق بأذن الله تعالي., ثم الخطوة الرابعة وهكذا حسبما يري صاحبها.
والنفس البشرية في طاعتها لله وعلاقتها وتوبتها وتعلقها به سبحانه تنقسم إلي أربع طبقات:
قال صاحب الأحياء [1] (4/ 43) ما مختصره:
أعلم أن التائبين في التوبة على أربع طبقات الطبقة الأولى أن يتوب العاصى ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التى لا
(1) - هو كتاب"أحياء علوم الدين"لمحمد حامد الغزالي -رحمه الله تعالي