فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 442

والدنيا أكبر همه, ألزم الله عز وجل قلبه أربع خصال, لا ينفك من واحد حتى يأتيه الموت: هم لا ينقطع أبدًا, وشغل لا يتفرغ أبدًا, وفقر لا يبلغ غنى أبدًا, وأمل لا يبلغ منتهاه أبدًا". [1] "

يا أهل الإيمان

هذا واعلموا علم اليقين أن هذه الدنيا متاع, وإن الآخرة هي دار القرار, ومتاع الدنيا فان , وزينتها زائلة, ولا تغني عن الآخرة, فلا تتباهوا بالدنيا, ولا تتحاسدوا وتتعادوا عليها, فإن ذلك شأن أهل الغفلة, أهل الهوى, حزب الشيطان الخاسرون, فلا ينبغي التعب والنصب لزينة الدنيا وزخرفتها, فإذا عرضت الدنيا حلالا فالقليل منها يكفي, وإذا أقبلت الدنيا وبسطها الله عليك, فلا تبخل على خلق الله, واعلم أن حلالها حساب, وحرامها عذاب, حيها يموت, خيرها يفوت, فالخير فيها هو الذي يدوم قال تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} [2] فيكفي المرء في دنياه دارا تؤويه, ولقيمات يقمن بها صلبه, وما عدا ذلك فهو فضل؛ لأن الكثرة تشغل عن ذكر الله, وما خلقت الدنيا إلا لذكر الله؛ لأن الكثرة والزيادة تصد عن الآخرة, وما خلقت الدنيا إلا للآخرة؛ لأن الكثرة والزيادة تدعو إلى حب الدنيا, وحب الدنيا ينسي الآخرة, وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

انظروا إلى صحابة النبي الكرام, وما كانوا عليه من خصال, ومكارم عاشوا على قدر ما عاشوا, لم تدعهم الدنيا وما فيها من الدعة والراحة والنوم عن طلب الموت, بل قدموا أحسن ما يقدم للآخرة, راحوا يقدمون أنفسهم في سبيل الله, قدموا دماءهم رخيصة في سبيل رضا الله عنهم, فتح الله بهم الفتوح, ونشر الإسلام حتى عم أرجاء الدنيا, أما الآن يصير النداء إلى الزهد تخلفا, والإسلام تطرفا وإرهابا, وصار طلبنا الدنيا من كل باب, وبدأت تتزخرف لنا وتتزين كالعروس حتى صرنا حسالة العالم, وعالة على المجتمعات, وعم الفقر والجوع في

(1) - ذكره المتقي الهندي في كنز العمال , الكتاب الثالث من حروف الهمزة في الأخلاق من قسم الأقوال {من كنز العمال} , الإكمال من الزهد, رقم (6272) ج3 ص 406. و أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر دون قوله"وألزم الله قلبه. . . إلخ"وكذلك رواه ابن أبي الدنيا من حديث أنس بإسناد ضعيف والحاكم من حديث حذيفة وروى هذه الزيادة منفردة صاحب الفردوس من حديث ابن عمر وكلاهما ضعيف.

(2) - سورة مريم آية 76

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت