فهرس الكتاب
فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها ونادت بصوتها فمثلت ببلائها البلاء ,وشوقت بسرورها أهل السرور. [1]
فيا أيها المغتر بالدنيا متى غرتك؟ أبمضاجع أبائك تحت الثرى؟ أم بمضاجع أمهاتك من البلى؟ كم فيها من مريض يطلب له الشفاء ولم يظفر له الأطباء بدواء , كم حاجة لم تف فيها بطلبك؟
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمرأفنيته ... وجامع بددت ما جمع
فانظروا إلى السلف الصالح وأقوالهم فلنا فيهم عبرة وذكرى.
يقول يحيى بن معاذ: لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في المغيب من ألسنة الفناء لتقطعت قلوبهم حزنا وعويلا , و لو عرضت الدنيا علي حلالا ولا أحاسب في الآخرة لما اخترتها.
وتقول رابعة العدوية: ما أحب أن لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتني عن ربي طرفة عين.
وقال عيسى عليه السلام: ابغضوا الدنيا يحبكم لله.
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من أحب دنياه ضر بآخرته ومن أحب آخرته ضر بدنياه فأثروا ما يبقي على ما يفنى" [2] .
وقال ابن مسعود لأتباعه: أنتم أكثر صومًا و صلاة من أصحاب محمد, وهم خير منكم. قالوا: كيف؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة. [3]
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوع ويربط بطنه حجرا, أو حجرين من شدة الجوع , وكان في استطاعته أن يتمتع لو شاء فقد عرضت عليه جبال مكة ذهبًا أو فضة, ولكنه آثر الآخرة ونصيبها على نصيب الدنيا, وأنفق في سبيل الله, وأرضى ربه حتى لحق به وقال - صلى الله عليه وسلم:"من أصبح"
(1) - جامع العلوم والحكم ج 1 ص 296.
(2) - سبق تخريجه.
(3) - أخرجه الحاكم في المستدرك, كتاب الرقاق, رقم (7880) ج4 ص350', وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, و تعليق الذهبي قي التلخيص: على شرط البخاري ومسلم, وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان, الكتاب: الحادي و السبعون من شعب الإيمان و هو باب في الزهد و قصر الأمل , فصل ـ فيما بلغنا عن الصحابة رضي الله عنهم في معنى ما تقدم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , رقم (10636) ج 7 ص374.