تاريخ موسى جميعه كما أنه لا يلاحظ أية رابطة تربط هذه القصة بالآيات قبلها .. هذا وإني تدبرت التوراة المعاصرة، وجميع سور القرآن المجيد، فلم أعثر في أي منهما على ما يشابه هذه القصة المذكورة هنا وبمفهومها المتبادر لأذهاننا .. وبعد أن يحاول إثبات أن موسى عليه السلام لم يسافر هذا السفر الذي لم يقبله عقله كما يقول وأن موسى عليه السلام لم يسافر إلا إلى مدين كما جاء في القرآن بعد ذلك يقول:"ويتبين لنا من ذلك كله أن لا أساس لقصة موسى هذه مع فتاه على صعيد الواقع وبأي شكل من الأشكال [1] "
وهذه جناية أخرى على حديث صحيح بتهمة مجازفة لا يدري صاحبها أوزارها، والحديث لا شك في صحته التي تدل على وقوع تلك القصة بما لا ريب فيه، وأما كون هذه القصة ليست في كتب أهل الكتاب فليس يعني ذلك عدم صحتها. فكم أضاع أهل الكتاب من أخبار أنبيائهم،! ومن المفيد بيانه هنا أن قصة امرأة عمران وكفالة زكريا عليه السلام لمريم عليها السلام المذكورة في سورة آل عمران في القرآن الكريم لا وجود لها في التوراة ولا في الإنجيل فهل نرفض هذه القصة من القرآن لأنها غير موجودة عند اليهود والنصارى أم ماذا نفعل؟
وثبوت قصة موسى عليه السلام في الحديث الصحيح يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه. ولم يكن متأثرًا بالتوراة والإنجيل كما زعمه المؤلف وسيأتي بيانه في مبحث خاص إن شاء الله تعالى.
هذا وقد ذكر الألوسيفي التفسير قضايا كثيرة تخص هذا الجانب لا بأس من ذكرها حتى تزول مثل هذه الشبهة الخاصة بعدم ذكر هذه القصة في كتب أهل الكتاب قال رحمه الله:"... وإنما أنكر أهل الكتاب هذه القصة التي كانت بين موسى والخضر عليهما السلام لإنكارهم تعلم النبي من غيره. وأجيب بالتزام أن التعلم من نبي، ولا غضاضة في تعلم نبي من نبي. وتعقب بأنه ولو التزموا ذلك وسلموا نبوة الخضر لا يسلمون انه موسى بن عمران لأنهم لا تسمح أنفسهم بالقول بتعلم نبيهم الأفضل ممن ليس مثله في الفضل فإن الخضر عليه السلام على القول بنبوته بل القول برسالته لم يبلغ درجة موسى عليه السلام. وقال بعض المحققين: ليس إنكارهم لمجرد ذلك، بل لذلك ولقولهم إن موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر حصل هو وقومه في التيه وتوفي فيه ولم يخرج قومه منه الا بعد وفاته. والقصة تقتضي خروجه عليه السلام من التيه لأنها لم تكن وهو في مصر بالإجماع، وتقتضي أيضا الغيبة أياما ولو وقعت لعلمها كثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه ولو علمت لنقلت لتضمنها أمرا غريبا تتوفر الدواعي على نقله، فحيث لم يكن لم تكن. أجيب بان عدم سماح نفوسهم بالقول بتعلم نبيهم عليه السلام ممن ليس مثله في الفضل أمر لا يساعده العقل وليس هو الا كالحمية الجاهلية، إذ لا يبعد عقلا تعلم الأفضل الأعلم شيئا ليس عنده ممن هو دونه في الفضل والعلم"
(1) ص:100 - 101، وهذا الحديث أخرجه البخاري 1/ 41 في كتاب العلم باب الخروج في طلب العلم رقم 78.