والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا: إذا كان هو لا يليق أن يفسر القرآن فلماذا أخذ في التفسير إذن؟ ثم تأمل بعد ما قاله أيضًا في بداية كتابه حينما تحدث عن سبب إضافة (وبمنظور جديد معاصر) إلى عنوان الكتاب يقول:"لأوحي إلى القارئ الكريم بما احتواه هذا الكتاب من معلومات معاصرة لم يسبق لمفسر أن ذهب ذهنه إليها لضآلة معطيات تلك الأزمان" [1] . لنتأمل جميعًا هذا القول مع سابقه ليظهر لنا أي رجل هذا؟
وأنا أكتفي هنا برد المؤلف نفسه على نفسه حين هاجم الدكتور شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن) ونعى عليه تهجمه على من سبقه لنستمع إليه وهو يقول:"وحين فات صاحبنا الحجة والبرهان لجأ كعادته إلى تسفيه آراء جميع المفسرين كما جاء في الصفحة 194، إذ قال (إن النتيجة المباشرة لما قلنا، هي أن كل التفاسير الموجودة بين أيدينا، ليس أكثر من تفاسير تاريخية مرحلية للقرآن. أي لها قيمة تاريخية لأنها نتاج أشخاص عاشوا من قرون) [2] . فهو قد استهان بمكانة مفسري الأمة الإسلامية. متناسيًا أن كل نتاج فكري قد بني على حقائق عقلية ثابتة، فهو مقبول في كل زمان ومكان. وأن كل نتاج فكري قد أتي، ولم يبن على أسس معقولة ودعائم محكمة، من العلم والمنطق، فهو مرفوض في كل زمان ومكان ... ولا يدعم الفكر أن يكون صاحبه قد ولد في القرن العشرين كما لا يعيب النتاج العلمي أن يكون قد وجد في عصور سابقة، إذ لا يصح أن يسخّف كل باحث الإنتاج الفكري لما قبله من الباحثين لمجرد أن زمانهم قد مضى وولّى. فلو صح لآل نتاج الفكر في العالم إلى مصير لا تحسد عليه."
وزبدة الكلام هو أن الله تعالى لم يجز لأحد من خلقه، تأويل كتابه. بطريق الظن والتنجيم، وعلى صورة يتنافى مع الأصول والقواعد التي تضمنها كتاب الله تعالى نفسه وهي ما نسميه بأصول التفسير" [3] . هذا هو الرد المناسب على ما كتبه الكاتب، وقديما قيل من فمك أدينك. على أنني أسأل هذا الكاتب أين هي أصول التفسير المرعية في هذا الكتاب وإذا كان العلماء قد وضعوا للتفسير بالرأي أصولا لا بد من مراعاتها في التفسير وخلاصتها على ما في البرهان:"
1 -النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
2 -الأخذ بقول الصحابي.
3 -الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب.
4 -الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع [4] .
هذه هي خلاصة القوانين التي لا بد من مراعاتها في التفسير بالرأي. فهل يوجد شيء منها في هذا الكتاب من أوله إلى آخره؟ الجواب عندي وبعد قراءتي لهذا الكتاب كلمة كلمة
(1) ص: 2
(2) سؤالي هنا هو: ما الفرق بين الذي قاله شحرور في كتابه والذي فعله المؤلف هنا؟.
(3) حقيقة القراءة المعاصرة 2/ 193
(4) . البرهان في علوم القران 2/ 156 وما بعدها