الصفحة 19 من 34

إذن وبناءً على هذا الكلام يكون المفسرون الأقدمون كلهم قد خالفوا هذه المنطلقات التي وضعها الكاتب، والتزم بها وحده. ثم أين هي معطيات تاريخ المسيحيين التي استخدمها الكاتب في تفسيره فإني لم أر منها شيئا!!

ثم كيف يجوز في منطق العلم والبحث أن يضع الإنسان لنفسه قواعد ويحاكم به جهود المتقدمين من العلماء وهي في الأصل لا يعلم بها أحد إلا صاحبها. إن هذا لمن العجب!

ولننظر إلى ملخص ما قاله في تفسير هذه الآية:"وكذلك أي أوردها الله لينبه ذهن القارئ انه لا يزال يتكلم عن المسيحيين الذين انحرفوا عقائديا زمن العصور الوسطى ... بعثناهم يعني بدأنا دورهم المستقبلي .. ليتساءلوا معناها إشعارا منه جل شانه للقارئ أن الله قرر أن يبدأ دور المسيحيين المستقبلي وليس أنهم كانوا أمواتا فأحييناهم فالألفاظ بدلالتها المجازية وإضافة بينهم إلى هذه الكلمة من أجل أن يصبح المعنى أن مشيئة الله عز وجل تجلت في أن ضرورة أن ينهض المسيحيون من تخلفهم، فيتدارسوا أحوال أمتهم وأسباب تخلفها وليصححوا مسارها [1] "

وواضح من هذا الكلام أن الرغبة جامحة لدى الكاتب لمخالفة العلماء وإلا فما هو الصارف الذي يصرف هذه الألفاظ من الدلالة الحقيقية إلى المجاز. ولا أظن أحدا يمتري في تفسير هذه الآية وأنها من توابع قصة أصحاب الكهف ولم أجد أحدا حوّل ألفاظها من الحقيقة إلى المجاز إلا الكاتب، وجميع المفسرين على أن معناها انهم كانوا نياما فأيقظهم الله وأحياهم فلما أحياهم ظهر منهم هذا التساؤل [2] .

رابعًا: قال في بعض مواضع من كتابه:"فقد ذهب ذهن مفسريهم إلى أن فتية الكهف كانوا إحدى الأعاجيب، ولم يقفوا عند هذا الحد من الزيغ عن حقائق القصة بل سيغوصون في مستنقع جدال لا طائل تحته" [3] . هكذا هو التفسير عنده مستنقع من الجدال. فتأمل هذه الألفاظ المشينة التي يعبر بها الكاتب عن آراء المفسرين!

خامسًا: عند الحديث عن قوله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه) (60:الكهف) ذكر مجموعة من الأسئلة ثم قال:"إن هذه الأسئلة لا بد لنا من الإجابة عنها إجابة مقنعة، حتى لا نقع فيما وقع فيه المفسرون الأقدمون الذين فهموا قصة أهل الكهف فهما أسطوريًا، وفهموا قصة موسى هذه فهما أسطوريًا أيضًا، دون تحقيق ولا محاكمة وبدون دلالات الآيات لغويا"ً [4] .والذي أحسبه بعد قراءتي لهذا الكتاب أن أحسن رد عليه هو ما جاء في قولهم رمتني بدائها وانسلت.

هذا بعض ما في هذا الكتاب من سلاطة وقسوة على علماء الإسلام، والمرء حين يسمع هذه القسوة يحسب أن صاحبها قد ملأ الأرض علمًا، ولكن المؤسف أن الكاتب قد هجم على سورة الكهف هجومًا في غفلة عن أعين رقابة أهل العلم، وبلا زاد فلنستمع إليه في بداية كتابه وهو يقول:"أنا لا أليق أصلًا لتفسير القرآن" [5] .

(1) ص: 47 - 48

(2) روح المعاني 15/ 229 وتفسير البيضاوي 3/ 219

(3) . ص: 58

(4) ص: 100

(5) ص: 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت