والثانية أن المجتهدين معد ومون عدمًا كليًا لا وجود لأحد منهم في الدنيا ، وأنه بناء على هاتين المقدمتين: يمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - منعًا باتًا على جميع أهل الأرض ويستغنى عنهما بالمذاهب المدونة ، وزاد كثير منهم على هذا منع تقليد غير المذاهب الأربعة ، وأن ذلك يلزم استمراره إلى آخر الزمان ، فتأمل يا أخي رحمك الله كيف يسوغ لمسلم أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما استغناء عنهما بكلام رجال غير معصومين ، ولا خلاف أنهم يخطئون ، فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة لا حاجة إلى تعلمهما وأنهما يغني غيرهما عنهما ، فذلك بهتان عظيم ومنكر من القول وزور ، وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه فهو أيضًا زعم باطل ، لأن تعلم الكتاب والسنة أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة مع كونها في غاية التعقيد والكثرة ، والله يقول في سورة القمر عدة مرات { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } (1) ويقول في سورة الدخان { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } (2) ويقول في سورة مريم { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } (3) فهو كتاب ميسر بتيسير الله لمن وفقه الله للعمل به ، والله جل وعلا يقول { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (4) ، فلا شك أن هذا القرآن العظيم: هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه ليستضاء به فيعلم في ضوئه الحق من الباطل والحسن من القبيح والنافع من الضار والرشد من الغي ، قال
(1) 1 ) سورة القمر آية ( 17 ، 22 ، 32 ، 40 ) .
(2) 2 ) سورة الدخان آية ( 58 ) .
(3) سورة مريم آية ( 97 ) .
(4) سورة الأعراف آية ( 52 ) .