طال الطريق - واحتساب الأجر عنده , فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض , ولا تقديرا من المجتمع الضال , ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان!
إن كل النصوص القرآنية والنبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم. مجتمع يعترف ابتداء بسلطان الله , ويتحاكم إلى شريعته , مهما وجد فيه من طغيان الحكم , في بعض الأحيان , ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان .. وهكذا نجد في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر".. فهو"إمام"ولا يكون إماما حتى يعترف ابتداء بسلطان الله ; وبتحكيم شريعته. فالذي لا يحكم شريعة الله لا يقال له:"إمام"إنما يقول عنه الله - سبحانه - (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ..
فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله , فالمنكر الأكبر فيها والأهم , فهو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات .. هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة .. وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار , قبل الدخول في المنكرات الجزئية , التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر , وفرع عنه , وعرض له ..
إنه لا جدوى من ضياع الجهد .. جهد الخيرين الصالحين من الناس .. في مقاومة المنكرات الجزئية , الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول .. منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية , ورفض ألوهية الله , برفض شريعته للحياة .. لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال.
على أنه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات ? بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم: إن هذا منكر فاجتنبوه ? أنت تقول: إن هذا منكر ; فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون لك: كلا! ليس هذا منكرا. لقد كان منكرا في الزمان الخالي! والدنيا"تتطور", والمجتمع"يتقدم"وتختلف الاعتبار ات!
فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال , ولا بد من قيم معترف بها نقيس إليها المعروف والمنكر. فمن أين نستمد هذه القيم ? ومن أين نأتي بهذا الميزان ?