فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 317

قَالَ:"مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ"وَلِهَذَا قَالَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أَيْ: يَحْصُلُ لَكُمْ فَوْقَ مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُ إِيَّاكُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبّ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تُحَبّ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ." [1] "

وتسمى هذه الآية آية المحنة لامتحانها القلوب في ادعائها هذا.

وَمَحَبَّةُ اللَّهِ عَبْدَهُ رِضَاهُ عَنْهُ وَتَيْسِيرُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ انْفِعَالُ النَّفْسِ نَحْوَ تَعْظِيمِهِ وَالْأُنْسِ بِذِكْرِهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ وَالدِّفَاعُ عَنْ دِينِهِ. فَهِيَ صِفَةٌ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِنْ كَثْرَةِ تَصَوُّرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعَمِهِ حَتَّى تَتَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ، فَمَنْشَؤُهَا السَّمْعُ وَالتَّصَوُّرُ. وَلَيْسَتْ هِيَ كَمَحَبَّةِ اسْتِحْسَانِ الذَّاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّا نحبّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - مِنْ كَثْرَةِ مَا نَسْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى خَيْرِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَقْوَى هَذِهِ الْمَحَبَّةُ بِمِقْدَارِ كَثْرَةِ مُمَارَسَةِ أَقْوَالِهِ وَذِكْرِ شَمَائِلِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَهَدْيِهِ، وَكَذَلِكَ نُحِبُّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ لِكَثْرَةِ مَا نَسْمَعُ مِنْ حُبِّهِمُ الرَّسُولَ وَمِنْ بَذْلِهِمْ غَايَةَ النُّصْحِ فِي خَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ نُحِبُّ حَاتِمًا لِمَا نَسْمَعُ مِنْ كَرَمِهِ. وَقَدْ قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ وَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعُزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. [2] .

وإننا في هذه الأيام وفي هذه الديار لفي أشد الحاجة إلى تذكير هذه المعاني والعمل بمقتضاها وترك ما ينافيها وذلك بعرض أعمالنا وأقوالنا على المحجة البيضاء التي تركنا عليها خير الورى.

وسنعيش لحظات مع بعض المعاني والآثار التي أوردها ابن القيم رحمه الله في كتابه الرائع (مدارج السالكين) وذلك بتناول الأمور التالية:

1 -أهمية المحبة:

(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 32)

(2) - التحرير والتنوير (6/ 236)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت