كان عليه بهذه الميزة الفريدة وذلك التراث الخالد أن يبرز هذه الحقوق ، وأن ينقذ كرامة الإنسان ، فهو الذي طبق هذه المبادئ ، وأظهر للتاريخ البشري النماذج العملية العالية ، والقدوة الطيبة الصالحة في شتى ميادين الفضيلة والأخلاق .
وقبل أن نخوض في غمار البحث ، نحب أن نضع بين يدي القارئ الكريم ، حقيقتين هامتين تزيلان كثيرًا من اللبس والغموض ، وتمحوان ما قد يتبدى أمامه من تساؤلات وشكوك .
الحقيقة الأولى: أن الإسلام - وهو الدين الخالد العام الشامل
الذي يقول عنه رب العزة: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) [1] - يَعتبِر جندَه وأتباعه مسئولين عن مهمة تبليغ نوره إلى جميع أفراد الجنس البشري حتى لا يكون لأحد حجة على الله تعالى عند الحساب ، ولأنه نور وهدى ورحمة .. فمن حق كل إنسان أن يرى هذا النور .. ثم هو بعد ذلك مسئول عن نفسه في اختيار ما يحب ، إما بالسير على هداه أو بإغماض العين عن نوره وسناه ، ولكنه حين يغمض عينه ويتنكب طريقه ليس له أن يصد غيره عن هذا النور ، وليس له أن يضع حاجزًا بينه وبين وصوله إلى الآخرين .. عليه أن يختار لنفسه فقط ، فلكل الناس عقول ، وهم أحرار كما كان حرًّا في النظر إليه واختيار ما راق له حسب تقديره ، دون سلطة خارجة عن أقطار نفسه ، ودوافع طبعه ، فإذا ما وضع عقبة أو وقف حجر عثرة في طريق هذا النور ، مانعًا من وصوله إلى الآخرين ، كان متعديًا على حرياتهم ، وكان متسلطًا ظالمًا يجب تأديبه ، وتقليم أظافره حتى يسلم للمجتمع الإنساني كله حق الحرية والاختيار ، وحتى ينزاح من أمامه كل مسيطر على العقول والأفكار .
(1) سورة آل عمران - جزء من الآية 19 .