قوله صلى الله عليه وسلم: (ليلة خير من ألف شهر) أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (من حرم) بتخفيف الراء على بناء المفعول (خيرها) بالنصب وهو يتعدى إلى مفعولين يقال حرمة الشيء كضربه وعمله حرمانًا أي منعه إياه والمحروم الممنوع أي من منع خيرها بأن لم يوفق لا حياء والعبادة فيها (فقد حرم) أي منع الخير كله كما سيجيء صريحًا ففيه مبالغة عظيمة.
والمراد حرمان الثواب الكامل أو الغفران الشامل الذي يفوز به القائم في إحياء ليلها [1] .
8 -من فضائله وخصائصه صلاة التراويح:
أجمع المسلمون على سنية قيام ليالي رمضان، وقد ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل المقصود من القيام بصلاة التراويح [2] .
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه" [3] 0
قوله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا) : أي تصديقًا بأنه حق معتقدًا فضيلته، واحتسابًا يريد به الله وحده لا رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص غفر له ما تقدم من ذنبه0
والمعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر، وقال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة أي بوجوب [4]
وقال الإمام النووى رحمه الله: قوله: (من قام رمضان) هذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب دون الإيجاب واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب [5] 0
فائدة نفيسة:
قال الإمام ابن بطال رحمه الله:
وفى جمع عمر الناس على قارئ واحد دليل على نظر الإمام لرعيته في جمع كلمتهم وصلاح دينهم 0
قال المهلب: وفيه أن اجتهاد الإمام ورأيه في السنن مسموع منه مؤتمر له فيه، كما ائتمر الصحابة لعمر في جمعهم على قارئ واحد؛ لأن طاعتهم لاجتهاده واستنباطه طاعة لله تعالى لقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83] 0
وفيه: جواز الاجتماع لصلاة النوافل، وفيه أن الجماعة المتفقة في عمل الطاعة مرجو بركتها، إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم، فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فيجب أن تكون النافلة كذلك 0
وفيه: أن قيام رمضان سنة لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول الله يحبه، وقد أخبر عليه السلام بالعلة التى منعته من الخروج إليهم، وهى خشية أن يفترض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أمن عمر أن تفترض عليهم في زمانه لانقطاع الوحى؛ أقام هذه السنة وأحياها، وذلك سنَةَ أربع عشرة من الهجرة في صدر خلافته.
قال المهلب: وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة، وزالت العلة أنه لا بأس بإعادة العمل، كما أمر عمر صلاة الليل في رمضان بالجماعة، وفيه أنه يجب أن يؤم القوم أقرؤهم، فلذلك قال عمر: أُبَى أقرؤنا، فلذلك قدمه عمر، وهذا على الاختيار إذا أمكن؛ لأن عمر قدم أيضًا تميمًا الدارى، ومعلوم أن كثيرًا من الصحابة أقرأ منه، فدل هذا أن قوله عليه السلام: (يؤم القوم أقرؤهم) إنما هو على الاختيار، قول عمر: (نعم البدعة) فالبدعة اختراع ما لم يكن قبل، فما خالف السنة فهو بدعة ضلالة، وما وافقها فهو بدعة هُدى، وقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعم البدعة [6] .
9 -ومن فضائله وخصائصه الاعتكاف:
عن عائشة رضي الله عنها، - زوج النبي صلى الله عليه وسلم:"أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده" [7] 0
قال الإمام الصنعانى رحمه الله:
فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه من بعده 0
قال أبو داود: عن أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أن الاعتكاف مسنون0
وأما المقصود منه فهو جمع القلب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة والإقبال عليه تعالى والتنعم بذكره والإعراض عما عداه [8] 0
(1) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: جـ6صـ415 0
(2) فتح الباري: 4/ 251.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب صلاة التراويح- باب فضل من قام رمضان - حديث رقم (1920) ، وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب الترغيب في قيام رمضان - حديث رقم (1306) 0
(4) الديباج على مسلم: جـ2صـ366 0
(5) شرح صحيح مسلم: جـ6صـ40 0
(6) شرح صحيح البخارى: لابن بطال جـ4صـ147 0
(7) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف في العشر الأواخر - حديث رقم (1937) 0
(8) سبل السلام: جـ2صـ174 0