وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال:"من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر"، فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوقف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين [1] 0
قال الإمام ابن رجب رحمه الله:
هذا الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان لابتغاء ليلة القدر فيه، وهذا السياق يقتضي أن ذلك تكرر منه [2] 0
10 -أن شهر رمضان شهر الجود ومدارسة القرآن:
عن ابن عباس، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" [3] 0
قال الإمام ابن رجب رحمه الله:
وفي تضاعف جوده - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: (أفضل الصدقة صدقة رمضان) .
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقط غزا، وفي حديث زيد بن خالد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء) [4] 0
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال - صلى الله عليه وسلم: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) [5] 0
فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما في حديث علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن في الجنة غرفا يُرى ظهورها من بطونها، و بطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) [6] 0
وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث، والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله عز وجل.
قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبوبكر: أنا. قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا. قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن عاد منكم مريضا؟ قال أبوبكر: أنا. قال: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) [7] .
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الصيام جُنة) [8] 0
وفي رواية: (جُنة أحدكم من النار كجُنته من القتال) [9] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتكاف- باب الاعتكاف في العشر الأواخر - حديث رقم (1938) 0
(2) لطائف المعارف: صـ251 0
(3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم- باب: أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون - حديث: (1812) 0
(4) أخرجه الترمذى في سننه - أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في فضل من فطر صائمًا حديث رقم (769) وصححه الألبانى في صحيح سنن الترمذى حديث رقم (807) ، وفى صحيح الجامع حديث رقم (6415) 0
(5) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يعذب الميت - حديث: 1237 0"
(6) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الإيمان - حديث: 245 وصححه الألبانى في صحيح الترغيب والترهيب حديث 2692
(7) أخرجه البخارى في الأدب المفرد - باب عيادة المرضى حديث: 533 وصححه الألبانى في صحيح الترغيب والترهيب حديث 953 0
(8) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب في فضل الصوم حديث رقم
(1804) ، وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب فضل الصيام حديث رقم (2009)
(9) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الصيام - باب ما جاء في فضل الصيام حديث رقم (1635) ، وأخرجه النسائى في سننه - كتاب الصيام حديث رقم (2211) وصححه الألبانى في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم (1662) ، وفى صحيح الجامع حديث رقم (3866) ، (3879) 0