فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 140

هدأ صوت الرصاص وسكنت الحركات ولم نعد نسمع للعدو صوتًا ولا نرى لهم شبحًا إلا تلك الجثث المتناثرة والذخيرة المتفرقة فاقتربت من أبي سعد وهو كالأسعد في الوغى قد اثخن في أعداء الله وقتل منهم عددًا يعلمه الله , وأخذت أتحدث إليه , واختلفنا في موت خنزير من تلك الخنازير فأكد أبو سعد - رحمه الله - أنه قتله بل لم يكتف بذلك حتى توجه إليه ليقضي عليه إن كان بقي فيه بقية ,إلا أنه كان على موعد مع الشهادة - إن شاء الله - فقد جاءته رصاصة من غادر كان متخفيًا وراء تلك الجثث والأشجار فاستقرت في قلب أبي سعد ليسقط من ساعته محركًا لسانه وشفتيه بكلمات لم نستطع تمييزها لانشغالنا بأولئك الخونة .. فلما أقبلنا إليه وإذا به قد أسلم الروح إلى بارئها وفارق هذه الحياة الحقيرة ...

اجتمع بعض الأخوة بسرعة لنقل جسده إلا أنهم فوجئوا برصاصة غادر أخرى فأصابت أبا سعيد الشرقي في رأسه فسقط على الأرض إلا أن روحه لم تخرج فاحتملناه مسرعين لعلنا نتمكن من علاجه وتركنا جسد أبي سعد إلى وقت أوسع .. وبعد أقل من ساعة فاضت روح أبي سعيد رحمه الله- فكانت مصيبة المجاهدين بفقد أولئك الأبطال كبيرة ولكن عزاءهم ما يرجونه لهم من فضل الله وكرامته وما أعده لشهداء من الأجر العظيم.

لم نتمكن من الرجوع إلى أبي سعد إلا يوم غدًا فإذا هو على هيئته التي فارقناه عليها كأنما قتل الساعة معه جعبته وسلاحه ... بل وصحفه في جيب صدره قد اخترقته الرصاصة في وسطه قبل أن تستقر في حسد أبي سعد , نعم لقد مزقت الرصاصة مصحفه فلم يتمكن أحد بعده من القراءة فيه , ليظل شاهدًا له بإذن الله فكم ختم القرآن في ذلك المصحف الذي كان لا يفارقه , وكم علم ودرس غيره كلام الله في ذلك المصحف الذي تمزق على صدره.

تلك والله مواقف الرجال , وهذه وربي مصارع الأبطال في ساحات الوغى ومواطن النزال ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت