ونحاول في هذه الورقات استعراضَ هذا الرأي، وكشفَ نصوص منظريه متبعين ذلك بالتحليل والمناقشة على ضوء الأصول العلمية والقواعد الشرعية.
1.عرض لنصوص أصحاب هذا المسلك:
لعل أول من أصَّل لهذا الاتجاه في تقسيم السنة النبوية إلى تشريعية وغير تشريعية [1] ؛ الشيخ ولي الله الدهلوي [2] - رحمه الله -، حين قَسَّم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه (حجة الله البالغة) [3] إلى قسمين:
الأول: ما سبيله تبليغ الرسالة، كعلوم المعاد وعجائب الملكوت، والشرائع والعبادات، وبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها وفضائل الأعمال ... وكل ما مستنده الوحي [4] .
أما الثاني: فما ليس من باب تبليغ الرسالة، مثل أحاديث الطب، وما مستنده التجربة.
بل توسع الشيخ ولي الله فجعل هذا القسم شاملا لشؤون القضاء التي حكم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم في مسائل عينية خاصة، وكذا شؤون تعبية الجيوش، وتعيين الشِّعَار [5] ... وغيرها [6] .
ثم جاء من بعده الشيخ الإمام محمد رشيد رضا - رحمه الله - فانتصر لهذا الرأي في مجلته"المنار"وحشد له ما يراه صالحا من الأدلة، فقسَّم السنة النبوية إلى تشريعية هي من الدين يُؤخذ بها ويُعمل بمقتضاها، وسُنَّة لا تفيد شرعا وهي المنضوية تحت ما ذكرناه في تمهيد هذا البحث، وهذه بعض من نصوصه تبين ذلك:
يقول رحمه الله: «اعلم أولًا أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطبِّ أو الزراعةِ وسائر أمور الدنيا لا يُعَدُّ من أمور الدين التي يُبلغها عن الله تعالى، وإنما يُعَدُّ من الرأي. وعصمةُ الأنبياء لا تشمل رأيهم في أمور الدنيا؛ ولذلك يُسمي العلماء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من أمر الدنيا أمر"إرشاد"، وهو يقابل أمر التكليف، وفي مثل هذه الأمور الدنيوية قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) [7] ، كما في حديث البخاري [8] ؛ ولذلك كان أصحابه - عليهم الرضوان - يراجعونه أحيانًا فيما يقول من قبيل الرأي، كما تعلم مِمَّا وَرَدَ في وقعتي بدرٍ وأحدٍ. فإذا رأيت حديثًا في أمر الدنيا لم يظهر لك وجهه فلا يَرُعْكَ ذلك، ولا تظنَّ أن في عدم ظهور انطباقه على الواقع طعنًا في الدين، على أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان ذا الرأي الرشيد والفكر السديد حتى في أمر الدنيا، وإن كان كلامه فيها قليلًا؛ لأنه جاء لما هو أهَمُّ وأعظم» [9] .
ويعَلِّلُ الشيخ رشيد رضا هذا الرأي، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَأْتِ لتعليم الناس أمورَ معايشِهِمِ، وطرائقَ كسبهم؛ وبالتالي فإن ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا النوع ليس - حسبه رأيه - من قبيل الوحي الذي يلزم المسلم الأخذ به. فيقول: «ليس من وظائف النبيين بيان طرق الكسب وأسباب المعايش، ولا تعليم الفنون التي يُتَوَسَّلُ بها إلى السعة والثروة، كالرياضيات والطبيعيات والزراعة والصناعة؛ لأن هذه الأمور مما يصل إليها البشر بسعيهم وكسبهم بحسب السنن الإلهية التي أقام الله بها نظام هذا النوع، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في مسألة تَأْبِيرِ النخل بقوله: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) » [10] .