الصفحة 3 من 25

هذا الطرح من السيد رشيد رضا دفعه لأن يقرر أن رَدَّ هذا القسم من السنة لا يضر إيمان المسلم في شيء، فيقول: «وأمَّا الأحاديث فلا يضر في الإيمان إنكار أي حديثٍ منها ... وهي على أقسام: فما كان منها متعلقًا بأمور الدنيا؛ لا يجب الأخذ به، ويجوزُ أن يكون خطأً كما في حديث تأبير النخل الصحيح ... وأما ما يقوله عن وحيٍ؛ فَيَجِبُ الأخذ به» [11] .

ولوازمُ هذا التَّقسِيم أن المسلم غير ملزم بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو اتباعه فيما تعلق بأوامره من شؤون الدنيا المحضة، وهو ما قرَّرَهُ رشيد رضا بشكل واضحٍ في قوله: «وإنما تجب طاعة الرسول فيما يبلغه ويبيِّنه من أمر الدين عن الله تعالى، وما ينفذه من شرعه، دون ما يستحسنه في أمور الدنيا بظنه ورأيه» [12] .

فمفهوم هذا الكلام - كما هو واضح - أن ما قاله صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا؛ لا تلزم طاعته فيه.

ولم يَتَوَقَّف رشيد رضا عند تقرير هذه القاعدة، بل نسبها للسلف وعلماء الخلف، دون أن يأتي في ذلك بما يعضد قوله من النقول أو النصوص، فنجده يقول: «وأما السنن والإرشادات النبوية في أمور العادات كاللباس والطعام والشراب والنوم، فلم يَعُدَّهَا أحدٌ من السلف، ولا من علماء الخلف من أمور الدين؛ فتسمية شيء منها دينا بدعةٌ منكرةٌ؛ لأنه تشريعٌ لم يأذن به تعالى» [13] .

وتفريق رشيد رضا بين سنة النبي التشريعية وسنته"الإرشادية"- كما سمَّاها -، قائم على دليلٍ واحدٍ ذكره في كل المواضع التي تكلم فيها عن هذه المسألة، وهي قصة تأبير النخل، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» . هذا هو الضابط في تقسيم الشيخ رشيد رضا، وهو ما عبَّرَ عنه بوضوحٍ في قوله تحت عنوان: الضابط بين ما قاله الرسول رأيًا وإرشادًا وما قاله تشريعًا: «ظاهرُ حديثِ رافع بن خديج في صحيح مسلم: (إنَّمَا أنا بشرٌ إذا أمرتُكُم بشيءٍ من أمرِ دينكُمْ فَخُذُوا به، وإذا أمرتُكُم بشيءٍ من رأيي فإنما أنا بشر) . وحديثُ عائشة وأنس عند مسلم أيضًا من تعليله صلى الله عليه وسلم تلك المسألة (مسألة تلقيح النخل) بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ، ظاهرُهُ أن جميع أمور الدنيا متروكةٌ إلى الناس، يتصرَّفُون فيها باجتهادهم؛ لا يتعلق بها تشريع» [14] .

ذكرنا هذه النصوص للتمثيل فقط، وإلا فإن المواضع التي قرر فيها رشيد رضا هذا التقسيم للسنة النبوية كثيرة جدا - بشهاداته هو -، حين قال بعد الفقرة الأخيرة التي نقلتها عنه من (تفسيره) : «وقد فصَّلنا هذه المسألة من قبل في هذا التفسير، وفي غيره من مقالات"المنار"» [15] .

وممن قال بهذه المقالة أيضًا الكاتب الطبيب محمد توفيق صدقي، - وهو صاحب مجموعة من المقالات الموسومة بـ (الإسلام هو القرآن وحده) نشرت في"المنار"تباعا وأثارت ضدها ضجة عارمة يومها - حيث قرَّرَ «أنَّ المسلمَ لا يجب عليه الأخذ بأحكام الأنبياء في المسائل الدنيوية المحضة التي ليست من التشريع؛ بل الواجب عليه أن يمحِّصَهَا، ويعرضها على العلم والتجربة، فإن اتضح له صحتها أخذ بها» [16] .

وإلى مثل هذا المسلك في تضييق الاحتجاج بالسنة النبوية ذهب محمود أبو رية فإنه قال: « ... أما كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية؛ فإنه كما قالوا: من الآراء المحضة، ويسميه العلماء أمر إرشاد، وهو يقابل أمر التكليف» [17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت